Beirut weather 18.41 ° C
تاريخ النشر March 20, 2026
A A A
شمعة من الجنوب في زغرتا… حين تنتصر المحبة على ما عداها

 

كتبت حسناء سعادة في موقع المرده

في كل عام، تحتفل زغرتا بعيد القديس يوسف، شفيع العائلة، كموعد ثابت مع الإيمان، لكن هذا العام، لم يكن العيد كما قبله. فقد ارتدى حلة مختلفة، اختلطت فيها الصلوات بوجع النزوح، وتداخلت فيها مشاعر الغربة مع دفء الاستقبال.
داخل كنيسة مار يوسف في العبي زغرتا، لم تكن الوجوه الكثيرة كلها من أبناء البلدة، كانت هناك عائلات نزحت من الجنوب، تحمل معها حكايات الخوف والتعب، وتبحث عن فسحة أمان.
وبين هذه الوجوه، برز مشهدٌ بسيط في ظاهره، عميق في معناه: امرأة جنوبية نازحة، تمسك شمعة، وترفع صلاة… ليس فقط من أجل عائلتها الصغيرة، بل من أجل لبنان، العائلة الأكبر.
ذلك المشهد، وحده، كفيل بأن يختصر كل الخطابات. شمعة مضاءة في قلب كنيسة، تحملها يدٌ جاءت من بيئة مختلفة، لكنها وجدت في هذا المكان بيتاً، وفي هذه البلدة حضناً. هنا، يسقط كل كلام عن الانقسام، وتتهاوى كل محاولات اللعب على الأوتار الطائفية.
في تلك اللحظة، لم تكن هناك تسميات ولا اصطفافات. لم يكن هناك “جنوب” و”شمال”، ولا “هذا” و”ذاك”، كان هناك إنسان يصلّي، وآخر يفتح له الباب، وكنيسة تتّسع للجميع. كان هناك لبنان كما يجب أن يكون… لا كما يُراد له أن يكون.
زغرتا، التي اعتادت أن تحتفل بالقديس يوسف كشفيع للعائلات بقداديس وزياحات، وجدت نفسها هذا العام تحتضن عائلاتٍ جديدة، جاءت مكسورة، لكنها لم تُكسر. ومن خلال هذا الاحتضان، أعادت تعريف معنى العائلة، لتصبح أوسع من الروابط البيولوجية، وأعمق من الانتماءات الضيقة.
في زمنٍ يحاول فيه البعض شدّ الحبال الطائفية، تأتي هذه الصور لتقول العكس تماماً: إن هذا البلد لا يزال قادراً على إنتاج مشاهد الوحدة، رغم كل ما يحيط به من انقسامات. وأن قوة لبنان الحقيقية ليست في شعاراته، بل في ناسه… في تلك المرأة التي أشعلت شمعة، وفي أولئك الذين افسحوا لها مساحة لتصلّي.
عيد القديس يوسف هذا العام لم يكن مجرد مناسبة دينية، بل رسالة صامتة، لكنها مدوّية: العائلة، حين تتّسع، تُسقط الطوائف… والمحبة، حين تُمارَس، تُفشل كل مشاريع الفتنة.
عيد القديس يوسف في زغرتا جميل جداً ولكنه هذه السنة اجمل.

الصور بعدسة منال دحدح*