Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر May 25, 2026
A A A
هل لا يزال في لبنان فرص استثمارية مغرية؟

كتب د. فؤاد زمكحل:

على رغم من الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة، لا يزال لبنان يجذب اهتمام بعض المستثمرين الذين يرَون فيه بعض الفرص الاستثمارية في قطاعات محدَّدة. فما هي هذه القطاعات النامية، والقادرة على استقطاب بعض هذه الاستثمارات، من التكنولوجيا والسياحة إلى الطاقة والعقارات؟

ليس سرّاً، أنّ معظم المستثمرين والاستثمارات هربوا من لبنان، جرّاء تدهور الثقة، الرؤية الضبابية للمستقبل، وزيادة المخاطر، حتى أنّ العبارة الشهيرة التي تقول: High risk, high return، أي «المخاطرة العالية، عائد مرتفع»، لن تطبَّق في لبنان، حيث المخاطر عالية، لكنّ العائدات ضئيلة.

في الوضع الحالي في لبنان، إنّ أفضل الإستثمارات هي التي تؤمِّن دخلاً بالدولار النقدي، وتلبّي حاجات أساسية تبقى مرنة وقادرة على الصمود في الأزمات، ولا تعتمد بشكل كبير على الدولة أو على القطاع المصرفي المحلي.

إنّ أبرز القطاعات التي لا تزال واعدة نسبياً هو قطاع العقارات وخصوصاً الشقق المميّزة، في بيروت، وفي المناطق الساحلية والجبلية، والأبنية الصغيرة القابلة للتأجير، وخصوصاً الشقق المخصَّصة للإيجار القصير عبر Airbnb، فالعقار في لبنان لا يزال يُعتبر مخزن القيمة، خصوصاً عند شراء أصول بأسعار منخفضة مقارنة بما قبل الأزمة.

إنّ السياحة والمطاعم والضيافة لا تزال تجذب بعض المستثمرين على رغم من الظروف الحالية، لأنّ لبنان يمتلك قوّة اغتراب وسياحة عند تحسُّن الأوضاع. فالسياحة الترفيهية والمطاعم والاستثمارات الصغيرة في هذا المجال، لا تزال مغرية، فنرى استثمارات في فنادق صغيرة (Boutique Hotel) وهي فنادق صغيرة وراقية، أو في «بيوت الضيافة (Guesthouses) أو «دور الضيافة» (Maison d›hôtes). فعوضاً عن الاستثمار في فنادق فاخرة وكبيرة، إنّ هذه المنازل المميزة بالرفاهية والتراثية تجذب عدداً كبيراً من السياح والمغتربين، وتؤمِّن مردوداً مقبولاً للمستثمر. نرى أيضاً طلباً متزايداً على مشاريع الطاقة الشمسية والبطاريات، ليس جرّاء أزمة الكهرباء، لكن نظراً إلى الأسعار المتهاودة. كذلك الطلب على خدمات الصيانة والطاقة البديلة التي تُعتبَر من أكثر القطاعات إستقراراً وربحاً في الظروف الحالية.

من جهة أخرى، إنّ التكنولوجيا والخدمات المصدَّرة في الخارج، تُعتبر من أفضل الخدمات اليوم، والمرتبطة بالبرمجة وتطوير التطبيقات، والذكاء الإصطناعي، والتسويق الرقمي، والتصميم والخدمات الإبداعية.

إنّ هذه الشركات تجذب طلباً كبيراً من الشركات الدولية عبر الـOutsourcing، لأنّ الكلفة التشغيلية في لبنان لا تزال منخفضة مقارنةً ببلدان أخرى.

في مجال الصناعة الغذائية المميّزة، إنّ النبيذ اللبناني وزيت الزيتون الفاخر، والمنتجات العضوية، وبعض الصناعات الغذائية القابلة للتصدير، لا تزال تجذب بعض الاستثمارات.

من جهة أخرى، يشهد لبنان إنماءً وطلباً متزايداً على الغذاء الصحي (Healthy Food) التي تتزايد مصانعه في السوق المحلية جرّاء زيادة الوعي حول الصحة، الرياضة، المناعة والوقاية من الأمراض، فأصبح المستهلك اللبناني أكثر اهتماماً بمكوّنات الطعام الصحي، نِسَب السكّر، المنتجات الطبيعية، المنتجات العضوية (Organic products)، والمنتجات الخالية من الغلوتين (Gluten-Free) والسكر(Sugar-free) وغيرها.

وأخيراً، في ظل عدم الإستقرار النقدي، تبقى المعادن والذهب وسيلة حمائية تقليدية وملاذاً آمناً. ونرى أيضاً أنّ بعض اللبنانيِّين يستثمرون جزءاً صغيراً من محفظتهم الاستثمارية في البتكوين Bitcoin، إذ يرى البعض أنّه الذهب الإلكتروني الجديد، على رغم من تقلُّباته السريعة والمخيفة.

في المحصّلة، إنّ السؤال الكبير ليس أين نستثمر في لبنان؟ لكن كيف نستثمر في أسواق قادرة على الصمود والتوليد النقدي حتى في صلب الأزمات؟ والواقع أنّ لبنان لا يزال يُوفّر العديد من الفرص الاستثمارية الواعدة بفضل مرونة قطاعه الخاص والكفاءات البشرية اللبنانية، والقدرة الكبيرة على التكيُّف والإبتكار. وتبرز فرص النمو خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والخدمات الرقمية والصحة والتعليم والسياحة والمطاعم والطاقة المتجدِّدة، بالإضافة إلى قطاع الغذاء الصحي الذي يشهد طلباً متزايداً. كما يُساهم انتشار الجالية اللبنانية حول العالم، واعتماد جزء كبير منهم على الدولار وروح المبادرة لدى اللبنانيِّين في دعم الاستثمارات الاستراتيجية على المديَين المتوسط والطويل، وخصوصاً المشاريع المبتكرة في الأسواق الإقليمية والدولية. لا شك في أنّ الاقتصاد اللبناني يَلين وينزِف لكن لم ولن يستسلم.