Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر May 25, 2026
A A A
25 أيار: الجنوب يقاوم من جديد

كتبت أسماء إسماعيل:

بعد 26 سنة من التحرير عاد الاحتلال إلى أرض الجنوب. لم يكن يحتاج إلى ذرائع تبرّر هجومه، ولا إلى 6 صواريخ، أو حرب إسناد، فهو لم يخرج في 25 أيار 2000 إلا تحت نار ضربات المقاومة، ولم يفكر بالعودة طوال 26 عاماً إلا بسبب وجود قوة رادعة. وعندما اختلّت موازين القوة في لبنان والمنطقة عاد ليُثقِل الجنوب ولبنان بالجراح والآلام، ما جعل 25 أيار 2026 لا يشبه حتى نفسه في أعوامه السابقة. قرى مُدمّرة، وأراضٍ مُحرّرة تُستباح من جديد، وسكّان مُهجّرون، وحقول خلت من مواسمها.

قبل ربع قرن، وفي مثل هذا اليوم من كل عام، كان اللبنانيون عامة والجنوبيون خاصةً يستعيدون صور تحرير قراهم يوم اندحر الاحتلال الإسرائيلي تحت ضربات المقاومة. يومها سقط «الحزام الأمني» الذي بدا لسنوات طويلة كأنه قدر الجنوب الدائم. وسقطت قلعة الاحتلال وميليشياته في معتقل الخيام، وتحرّرت أرض بقيت مُحتلة 22 سنة من دون اتفاق مع المحتل أو تعهّد. ولكن كيف يمكن استحضار عيد المقاومة والتحرير فيما الجنوب يعيش حرباً وتهجيراً وخراباً بهذا الاتساع؟
هنا يبدو السؤال مشروعاً، لا عبثياً، ولا نابعاً بالضرورة من موقف معادٍ للمقاومة، حصراً عند من يدرك معنى المقاومة نفسها. إنه سؤال يولد من مرارة المشهد، من الأبنية المُهدّمة، والمحالّ الفارغة، والحواضر الجنوبية التي مُسحت عن وجه الأرض، والحفرة الكبيرة في منتصف الطريق التي على الجرحى أن يعبروا فوق ذاكرتها كل يوم.

الأعياد الوطنية غالباً ما ترتبط بوقائع مستقرة: تأسيس دولة، سقوط نظام، رحيل قائد وطني عظيم أو انتصار ثورة شعبية. فلماذا يختلف الخامس والعشرون من أيار، أو عيد المقاومة والتحرير عن غيره؟ ولماذا كل هذا الجهد لتمييزه عن سواه؟ أهو محاولة لإثبات مشروعية عيد تحرير أرض وأحقّيته أمام «شركاء» في الوطن؟ أم هو واجب ملحّ يجب الالتزام به كمناسبة تتجاوز شكلها الاحتفالي إلى ما هو أعمق؟
تكمن أهمية الخامس والعشرين من أيار بأنّه أسقط فكرة «الاحتلال الذي لا يُهزم»، ورسّخ وعياً مغايراً لدى اللبنانيين تجاه الجنوب، ولدى العالم تجاه الحدود والصراع مع العدو. قبل عام 2000، كان الاحتلال يُقدَّم كمعضلة بلا حلّ، وكقدرٍ ثابت لا يمكن تغييره. لكنّ التحرير بدّل صورة الجنوب من أرض متروكة لسطوة الاحتلال إلى أرض قابلة للاستعادة والمقاومة، وجعل من الانسحاب الإسرائيلي حقيقةً ممكنة بالقوة لا بالتسويات وحدها.

المقاومة لا الذكرى
ولذلك، فإنّ هذا العيد ليس ذكرى مؤرّخة، ولا مناسبة تتبدّل أسباب استذكارها تبعاً للظروف أو تُختزل بمذكّرة رسمية تُقدَّم على سبيل «التضامن مع النازحين»، بحسب بيان رئيس الحكومة الحالي نواف سلام. فعيد المقاومة والتحرير ليس مناسبةً للتعزية السياسية، بل احتفاء بالفعل المقاوم نفسه، بالفعل الذي يكتب اليوم أبهى تجلّياته في قرى مثل القوزح والبياضة ورب ثلاثين وحداثا وزوطر وسائر القرى التي تقف على تماسّ النار. الخامس والعشرون من أيار هو قبضات الأمهات على الجمر، وهنّ يقدّمن أبناءهن قرابين للنصر، وهو النازحون عن أرضهم وبيوتهم الذين ما زالوا، رغم الخراب، يقولون: «إنّا باقون على العهد… حتى التحرير».

فالتحرير الذي لم يكن يوماً لحظة عابرة في التاريخ والجغرافيا، بل كان مساراً طويلاً تعترضه الانتكاسات وتُكتب فيه الانتصارات، من دون أن يفقد مشروعيته أو معناه. ومن هنا، لا يصبح الاحتفاء بعيد المقاومة فعلاً متناقضاً مع الحرب، بل فعلاً أكثر إلحاحاً وأصالةً وضرورة. لأنّ هذا العيد لا يرتبط بجغرافيا ثابتة أو بصورة انتصار نهائية، بل بالفعل المقاوم نفسه، بالفعل الذي استطاع أن يفرض أول انسحاب إسرائيلي من أرض عربية بالقوة ومن دون «تفاوض» أو اتفاق.

لذا لا يعود التحرير، بهذا المعنى، خاتمة نهائية للصراع، بل محطة من محطاته. والمقاومة لا تُقاس فقط بما تحرّره من أرض، بل بقدرتها على إبقاء الاحتلال موضع نزاع دائم، لا حقيقة نهائية وواقعاً لا مهرب منه. ولهذا فإنّ الأرض التي استُعيدت عام 2000 ليست أرضاً بلا ذاكرة، وإعادة احتلال أجزاء منها لا تعني أنّ أصحابها سلّموا بها أو فقدوا حقهم فيها.
التجارب التاريخية الكبرى لمقارعة المحتلين من الجزائر إلى فيتنام إلى فلسطين، لم تكن خطاً مستقيماً من الانتصارات، بل كانت تاريخاً طويلاً من الكرّ والفرّ، ومن الحروب المفتوحة التي تُبقي الاحتلال في موضع اشتباك دائم، بمعنى أن المقاومة في جوهرها ليست حدثاً عابراً، بل قدرة مستمرة على منع الاحتلال من التحوّل إلى حقيقة مستقرة ومقبولة.

وإذا كان حقّ الشعوب في مقاومة الاحتلال مُعترفاً به في القانون الدولي، فإنّ النقاش حول المقاومة وسلاحها يزداد تعقيداً في ظل دولة عاجزة عن حماية حدودها، وإعادة سكانها إلى قراهم، وردع الاعتداءات والقتل. فالمقاومة هنا ليست فائض خطاب أو قوة، بل استجابة لاحتلال فعلي وعجز مزمن عن مواجهته، عجز يجعل حضورها أكثر التصاقاً بمن تُدنَّس أرضهم وتُقتلع حياتهم كل يوم.
أولئك الذين لا يزالون «أشرف الناس»، ولم تزل بيوتهم ذخيرة المقاومين وحاضنتهم. أولئك الذين عادوا في الخامس والعشرين من أيار 2000 إلى أحيائهم، فشيّدوا أسقف منازلهم، ونصبوا صور شهدائهم حدوداً لقراهم، وهم وحدهم الذين يقتربون نحو فلسطين أكثر فأكثر. هم أنفسهم الذين، رغم ما يقاسونه، لا يزالون يقولون إن التحرير وعدٌ صادق… وإن تأجّل!