Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر May 25, 2026
A A A
لبنان يحكم مسار التفاوض الأميركي الإيراني
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

تبدو مسودة الاتفاق الأميركي الإيراني، وفق التسريبات والتصريحات المتقاطعة الصادرة عن مسؤولين أميركيين وإيرانيين وإسرائيليين، أقرب إلى محاولة لصوغ “تسوية وقف انفجار” أكثر منها اتفاقاً نووياً تقليدياً شبيهاً باتفاق 2015؛ حيث العقدة المركزية لم تعد فقط نسبة التخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل “من يملك مفتاح اليورانيوم المخصّب”، وكيف يُترجم ذلك في ميزان القوى الإقليمي. والمسودة المتداولة تقوم على عناصر أساسية: إخراج أو تجميد جزء من مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، تخفيف تدريجي للعقوبات، إعادة فتح هرمز، ووقف متبادل للتصعيد العسكري. لكن خلف هذه العناوين يقف خلاف عميق: واشنطن تريد اتفاقاً يفصل الملف النووي عن ملفات المنطقة، بينما تصرّ طهران على الربط بين “أمن البرنامج النووي” و”أمن الجبهات”، وفي مقدمتها لبنان.

يصبح لبنان عقدة التفاوض الفعلية. والتقارير المسرّبة تتحدث عن إصرار إيراني على أن يشمل أي اتفاق وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان، وانسحاب الاحتلال من النقاط التي تقدّم إليها بعد حرب 2024، مع تثبيت وقف النار بضمانات دولية تحت عنوان إيقاف كل الأعمال العدائية بما يشمل الاحتلال. بالمقابل، تحاول واشنطن، ومعها تل أبيب، إنتاج مسار تفاوض لبناني إسرائيلي منفصل، هدفه العملي فك الارتباط بين المقاومة وإيران، وتحويل الدولة اللبنانية إلى شريك أمني في ترتيبات جنوب الليطاني. وهذا ما يوحي بأن شيئاً ما تبدّل بعد الاتصال بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو ليس مجرد تبدل في النبرة، بل انتقال مفاجئ من أجواء “اتفاق وشيك” مع إيران إلى حديث أميركي إسرائيلي متصاعد عن “الترتيبات اللبنانية” و”تنفيذ الالتزامات” و”حصرية السلاح بيد الدولة”. وهذا يفتح الباب أمام فرضية جدية تقول إن واشنطن وتل أبيب تحاولان تعويض التعثر في فرض الشروط على إيران عبر نقل مركز الضغط إلى لبنان؛ لأن نتنياهو الذي عبّر قبل أيام عن قلقه من أي اتفاق لا ينهي البرنامج النووي الإيراني بالكامل، عاد بعد الاتصال مع ترامب ليتحدث عن “تفاهم كامل” مع الإدارة الأميركية حول منع إيران من امتلاك سلاح نووي. هذا التحول يوحي بأن التفاهم لم يكن على جوهر الاتفاق مع إيران بقدر ما كان على كيفية إدارة نتائجه وتعويض “إسرائيل” سياسياً وأمنياً، والساحة اللبنانية تبدو المرشح الأول لهذا التعويض.

الأهمية الاستثنائية للبنان في المسودة لا تأتي فقط من موقع حزب الله في محور المقاومة، بل لأن واشنطن تعتبر أن نجاح أي تسوية مع إيران يجب أن يؤدي إلى تغيير قواعد الاشتباك على الحدود اللبنانية الفلسطينية. ولذلك ظهر في المفاوضات مفهوم “التهديد المحتمل”، الذي يتيح لـ”إسرائيل” مواصلة العمليات تحت عنوان “الضربات الوقائية”، حتى في ظل وقف النار. وهذا ما ترفضه طهران والمقاومة؛ لأن معناه العملي تحويل الهدنة إلى غطاء لاستمرار الاستنزاف والتهجير جنوب الليطاني. في المقابل، نفهم لماذا تبدو إيران مستعدّة لإبداء مرونة في الملف النووي نفسه أكثر مما هي مستعدّة للتنازل في الملف اللبناني. في هذا السياق، يبدو أن واشنطن تحاول تعويض التراجع في الملف النووي عبر التشدّد في الملف اللبناني؛ فإذا كانت قد قبلت عملياً ببقاء التخصيب السلمي الإيراني تحت سقف معيّن، فإنها تريد مقابله إعادة صياغة التوازنات في لبنان، سواء عبر توسيع دور اللجنة العسكرية الأميركية اللبنانية الإسرائيلية، أو عبر فرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد جنوب الليطاني، أو عبر إدخال لبنان في مسار تفاوضي منفصل عن المسار الإيراني؛ لأن واشنطن تدرك أن الاتفاق مع إيران، إذا تم بصيغته الحالية، سوف يُقرأ إقليمياً باعتباره اعترافاً بفشل مشروع الإخضاع الكامل، ولذلك تحتاج الإدارة الأميركية إلى إنجاز موازٍ تستطيع تقديمه لـ«إسرائيل» وحلفائها العرب باعتباره “تعديلاً لميزان القوى”. وهنا يظهر لبنان كأضعف حلقات محور المقاومة من زاوية الوضع الداخلي والانقسام السياسي والأزمة الاقتصادية، وبالتالي كساحة قابلة لمحاولة فرض ترتيبات سريعة.

هنا يصبح مفهوماً الحديث المتزايد عن أن “الحرب لا تنتهي إلا بإنهاء مشكلة سلاح حزب الله”، وربط الانسحاب الإسرائيلي الكامل والتثبيت النهائي لوقف النار بترتيبات أمنية وسياسية تتجاوز القرار 1701 نحو صيغة جديدة عملياً؛ أي الانتقال من وقف نار إلى مشروع إعادة صياغة داخلية للبنان تحت عنوان السيادة وحصرية السلاح. وفي هذا السياق يمكن فهم لماذا تراجعت فجأة اللغة الأميركية عن الربط العلني بين الاتفاق مع إيران ولبنان؛ فواشنطن قد تكون قررت أن إبقاء لبنان داخل النص التفاوضي يمنح إيران ورقة قوة إضافية، بينما إخراج لبنان من الاتفاق يعني التعامل معه كملف منفصل يمكن الضغط فيه مباشرة عبر الحكومة اللبنانية والمؤسسات الرسمية والضغوط الاقتصادية والدولية.

كلمة الشيخ نعيم قاسم تُقرأ على خلفية هذا المشهد؛ لأن النبرة العالية لم تكن مجرد رد على تصريحات داخلية، بل رسالة استباقية تقول إن الحزب يرى محاولة استعجال اتفاق لبناني إسرائيلي تحت الضغط الأميركي، وإنه يعتبر أن هناك محاولة لاستثمار لحظة التفاوض الأميركي الإيراني لفرض وقائع داخلية في لبنان قبل اتضاح صورة التفاهم الإقليمي النهائي. ولهذا انتقل خطاب الشيخ نعيم من لغة التحذير السياسي إلى التلميح بالمواجهة الداخلية الشعبية، عندما تحدث عن إسقاط أي مسار يمس المقاومة “في الشارع”. وهذا يعني أن الحزب يعتقد أن ثمة استعجالاً أميركياً فعلياً لانتزاع توقيع لبناني على ترتيبات يعتبرها تمس جوهر ميزان القوى الداخلي، وربما قبل أن تنضج تفاهمات إسلام آباد بين واشنطن وطهران بصورة نهائية.

لكن في المقابل، هناك أمام ثلاثي أميركا و”إسرائيل” والسلطة اللبنانية معضلة كبرى هي أن الأمور لا تجري على أوراق، ففي الميدان باتت اليد العليا للمقاومة وكل توقيع لبناني فاقد للقيمة لأنه لا يضيف شيئاً فعلياً للاحتلال، وبالمقابل كل تسرع سلطوي نحو المحرمات مثل اتفاق إذعان لـ”إسرائيل” يؤدي إلى تفجير لبنان، وربما تفجير مسار التفاوض مع إيران. والسؤال هو: هل تستطيع واشنطن فعلاً فرض اتفاق لبناني من هذا النوع بينما هي نفسها تفاوض إيران من موقع تجنب الانفجار؟ لأن أي محاولة لكسر حزب الله بالقوة السياسية أو الأمنية في الداخل قد تعني إعادة فتح الحرب من جديد، وربما نسف المسار التفاوضي كله مع إيران؟