Beirut weather 16.32 ° C
تاريخ النشر May 6, 2026
A A A
آلية إيرانية لعبور «هرمز» ردّاً على «مشروع الحرية» | طهران لواشنطن: لم نبدأ بعد
الكاتب: محمد خواجوئي

كتب محمد خواجوئي في الأخبار 

خلافاً لمزاعم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والجيش الأميركي، بشأن بدء عملية «الخروج الآمن» لناقلات النفط والسفن التجارية من مضيق هرمز، أظهرت التطورات الميدانية، خلال اليومين الماضيين، أن المضيق لا يزال، بعد أكثر من 60 يوماً على اندلاع الحرب العدوانية الأميركية – الإسرائيلية ضدّ إيران، تحت السيطرة الكاملة للأخيرة. وتعتبر طهران أن ما تصفه واشنطن بـ»مشروع الحرية» في المضيق، ليس سوى «مشروع مأزق» جديد، في إشارة إلى فشل الخطة الأميركية في تغيير معادلات السيطرة والملاحة في الممرّ البحري الحيوي.

وفي هذا السياق، أدّت العملية التي أطلقتها الولايات المتحدة، أول من أمس، إلى تصاعد التوتر في «هرمز» والخليج، فيما لم تُسفر عن أيّ زيادة في حركة مرور السفن التجارية، بل تسبّبت بعكس ذلك تماماً. فبحسب بيانات موقع «مارين ترافيك» المتخصّص في رصد حركة السفن، شهد اليوم التالي لإطلاق العملية، أمس، انخفاضاً في عدد السفن العابرة، ما يشير إلى تأثير معاكس للخطوة الأميركية على أمن الملاحة البحرية.

 

ويبدو أن التحرّك الأميركي نحو إطلاق عملية جديدة لفتح المضيق جاء نتيجة تنامي الشكوك داخل واشنطن بشأن فاعلية الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية في تغيير سلوك طهران، الأمر الذي دفع الأولى إلى البحث عن وسائل ضغط إضافية. ويأتي ذلك فيما لم تتمكّن الولايات المتحدة، حتى الآن، عبر الضغوط القصوى التي «تُوّجت» بالحملة العسكرية ومن ثمّ الحصار، من إجبار إيران على القبول بشروطها، وفي مقدّمها وقف البرنامج النووي وإخراج مخزونات اليورانيوم المخصّب من البلاد.

ومع ذلك، تُثار شكوك واسعة حول قدرة ما يسمّيه ترامب «مشروع الحرية» على إعادة الأوضاع في مضيق هرمز إلى طبيعتها. وحتى في حال نجاح العملية في تمكين بعض السفن من عبور المضيق، فإن هذا لن يكون سوى «تسكين مؤقت في أفضل الأحوال». فإيران، واستناداً إلى عقيدة الحرب غير المتكافئة، تمتلك أدوات قادرة على إرباك أيّ نجاح مستدام للمشروع الأميركي، من بينها الزوارق السريعة، إضافة إلى قدراتها في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ.

 

وانطلاقاً من ذلك، اعتبر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، في منشور على منصة «إكس»، أن «مشروع الحرية» الأميركي في مضيق هرمز هو في الحقيقة «مشروع مأزق»، مؤكداً أن «ما يجري في المضيق يثبت أنه لا يوجد حلّ عسكري لهذه الأزمة السياسية». وفي الوقت نفسه، وصف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، التي تجري بوساطة باكستانية، بأنها «تتقدّم»، لكنه حذّر واشنطن وأبو ظبي من الانجرار مجدّداً إلى «مستنقع» بفعل من سمّاهم «أصحاب النوايا السيئة»، في إشارة على ما يبدو إلى الکیان الإسرائيلي.

واتهم رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، بدوره، الولايات المتحدة بنقض وقف إطلاق النار وتعريض الملاحة البحرية ونقل الطاقة في مضيق هرمز، للخطر. ورأى، في منشور على منصة «إكس»، أن «المعادلة الجديدة في مضيق هرمز آخذة في التكرّس. وقد بات أمن الملاحة البحرية وترانزيت الطاقة مهدَّداً بفعل الولايات المتحدة وحلفائها، وذلك عبر خرق وقف إطلاق النار وفرض الحصار؛ غير أن شرّهم سيتراجع»، مضيفاً: «نحن نعلم جيداً أن استمرار الوضع الحالي أمر لا يمكن للولايات المتحدة تحمّله، في حين أننا لم نبدأ بعد».

 

يعتقد بعض المسؤولين بأن ترامب قد يعطي أمراً باستئناف الحرب هذا الأسبوع

 

 

وتشير عبارة قاليباف عن «المعادلة الجديدة لمضيق هرمز»، إلى فكرة استراتيجية تبلورت في إيران بعد الهدنة، عنوانها عدم الاكتفاء باستخدام المضيق كورقة ضغط لإنهاء الحرب بشكل كامل، بل السعي أيضاً إلى إقامة نظام جديد لتنظيم المرور البحري فيه. ويقوم الطرح المشار إليه على أن يتمّ تنسيق حركة السفن في «هرمز» بالتعاون بين إيران وسلطنة عُمان، بوصفهما الدولتين اللتين تقعان على ضفّتَي هذا الممرّ المائي الحيوي. وبذلك، تسعى طهران إلى إضفاء طابعٍ مؤسّسي على دورها في إدارة الملاحة في المضيق، في ما يبدو أن الهدف الأوسع منه هو ترسيخ نفوذ إيران في المعادلات الجيوسياسية للمنطقة، وتثبيت قدرتها على التأثير في أحد أهم ممرّات الطاقة العالمية، فضلاً عن إرساء نوع من الردع الاستراتيجي، بحيث تصبح السيطرة على «هرمز» جزءاً من أدواتها في موازنة الضغوط والتهديدات الإقليمية والدولية. وبالفعل، أفادت قناة «برس تي في» الإيرانية، أمس، نقلاً عن مصادر، بأن «إيران أطلقت رسمياً آلية جديدة لإدارة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز»، موضحةً أن هذه الآلية «تتضمّن الحصول على تصريح مسبق»، مضيفةً أن «السفن التي يوافَق على مرورها ستتلقّى بريداً إلكترونياً يتضمّن تعليمات عبور المضيق».

 

في المقابل، واصل الرئيس الأميركي ثرثراته اليومية البعيدة عن الواقع، مكرّراً القول إن «إيران لا بحرية لديها ولا قوات جوية. وقد تمّ تدمير ذلك بالكامل وقتل القادة. والآن نخوض مناوشة عسكرية صغيرة، وإيران لا تملك أي فرصة، ولم تكن تملكها أبداً». لكن التطورات جاءت لتكذّبه، إذ أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية التعامل مع هجمات بالصواريخ والمسيّرات من إيران، مضيفة، في بيان، أن «الأصوات المسموعة في مناطق متفرّقة هي نتيجة تعامل الدفاعات الجوية مع الصواريخ والمسيّرات».

ورغم اعتقاد بعض المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين بأن ترامب قد يعطي أمراً باستئناف الحرب هذا الأسبوع إذا استمرّ تعثر المفاوضات، إلا أن رئيس هيئة أركان الجيوش الأميركية المشتركة، الجنرال دان كين، قلّل من شأن الهجمات الإيرانية الأخيرة، وأكد أن وقف إطلاق النار لا يزال قائماً، وهو ما ردّده أيضاً وزير الحرب، بيت هيغسيث.

وفي ما يتعلّق بالمفاوضات، قال وزير خارجية باكستان، إسحق دار، إنه «متأكد من إحراز تقدّم كبير بالمفاوضات، وبذلنا جهوداً للتوصل إلى وقف إطلاق النار وبدء حوار»، مضيفاً أن «الهدف هو إنهاء الصراع وبطريقة رابح رابح للطرفين». كذلك، أشار الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إلى أن «التفاوض يجري في أجواء من انعدام الثقة والشك العميق تجاه أميركا»، مشدداً على أنه «إذا كان الأميركيون جادين حقاً بشأن الدبلوماسية فعليهم اغتنام الفرصة».

 

في غضون ذلك، وفي ذروة التوتر بين إيران والولايات المتحدة، توجّه عراقجي، أمس، إلی الصين بوصفها الشريك الاستراتيجي لإيران. وتُعدّ هذه الزيارة، التي تسبق زيارة ترامب إلى بكين، ذات دلالة خاصة، ويمكن قراءتها كمؤشر إلى سعي طهران إلى إعادة تنظيم علاقاتها مع حليفها الشرقي. وأشارت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية إلى أن الصين، بوصفها إحدى الدول المؤثرة في المنطقة، والشريك التجاري الاستراتيجي لإيران، وعضواً دائماً في مجلس الأمن، ولديها مصالح مباشرة في الحفاظ على السلام في منطقة الشرق الأوسط، يمكن أن تؤدي دوراً فاعلاً في المساهمة في إرساء السلام والأمن في المنطقة، ومواجهة الأحادية المتوحّشة على المستوى الدولي.