Beirut weather 16.32 ° C
تاريخ النشر May 6, 2026
A A A
نتنياهو يخوض الإنتخابات عبر التصعيد في الجنوب!
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في اللواء 

في الوقت الذي تتكثّف فيه الجهود الدبلوماسية الأميركية لإحتواء التصعيد في الجنوب اللبناني، وفتح نافذة جدّية أمام المفاوضات المباشرة في واشنطن، يبدو أن حكومة بنيامين نتنياهو تسير في اتجاه معاكس تماماً، متمسكة بخيار الإبقاء على وتيرة العمليات العسكرية المرتفعة، غير آبهة لا بالمطالبات الأميركية، ولا بالتداعيات الإنسانية الكارثية على الجانب اللبناني.

 

هذا الإصرار لا يمكن قراءته فقط من زاوية عسكرية أو أمنية، بل يتجاوز ذلك إلى حسابات داخلية إسرائيلية دقيقة. لأن بنيامين نتنياهو، الذي يواجه تحديات سياسية متصاعدة، وتواجع متزايد في شعبيته، يدرك أن خفض التصعيد الآن قد يُفسَّر كضعف أمام خصومه، ويمنح المعارضة زخماً إضافياً في لحظة انتخابية حساسة. لذلك، فإن إبقاء الجبهة الشمالية مشتعلة يساهم في إعادة ترتيب الأولويات داخل المجتمع الإسرائيلي، من القضايا المعيشية والسياسية إلى “الأمن القومي”، وهو الميدان الذي يجيد نتنياهو اللعب فيه تاريخياً، وكما حصل بالأمس في غزة.

 

إلى جانب ذلك، يراهن رئيس الحكومة الإسرائيلية على شدّ عصب القاعدة اليمينية والدينية المتطرفة، التي تشكّل ركيزة أساسية لتحالفه الحاكم. هذه القاعدة، التي تضم أحزاباً وتيارات مسيانية متشددة، ترى في استمرار الحرب جزءاً من “معركة وجودية”، وليست مجرد نزاع حدودي. ومن هنا، فإن أي تراجع أو تهدئة قد يُفقد نتنياهو دعم هذه القوى، ويهدد تماسك ائتلافه الحكومي، الذي يضم شخصيات متطرفة تدفع باتجاه توسيع المواجهة لا احتوائها.

في المقابل، تبدو المعارضة الإسرائيلية أكثر تنظيماً من أي وقت مضى، بعدما نجحت في بناء تحالفات عابرة للتيارات،ظهرت بوضوح في لقاء الثنائي لبيد ــ تينيت، مستفيدة من حالة التململ الشعبي من استمرار الحروب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. هذا الواقع يضع نتنياهو أمام معادلة صعبة: إما الذهاب نحو التهدئة والمخاطرة بخسارة قاعدته الصلبة، أو الاستمرار في التصعيد لكسب الوقت وإعادة خلط الأوراق الداخلية.

 

أما الموقف الأميركي، فرغم تكرار الدعوات إلى ضبط النفس، لا يزال عاجزاً عن فرض إيقاع مختلف على السلوك الإسرائيلي. فواشنطن، المنشغلة بحساباتها الاستراتيجية الأوسع في إيران والمنطقة، يبدو أنها تفضّل إبقاء الضغط في حدوده الدبلوماسية الراهنة، دون الانتقال إلى أدوات أكثر صرامة قد تُحدث شرخاً في العلاقة مع تل أبيب.

في ضوء ذلك، يصبح الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة لتصفية حسابات تتجاوز حدوده الجغرافية، حيث تختلط الاعتبارات الانتخابية الإسرائيلية بالرهانات الإقليمية والدولية. وبينما تنتظر الدبلوماسية فرصة للنجاح، يستمر منطق القوة في فرض إيقاعه، ما يطرح تساؤلات جدّية حول مدى قدرة المسار التفاوضي،الذي بدأ في واشنطن، على الصمود أمام حسابات السياسة الداخلية في إسرائيل، والتي تبدو اليوم العامل الأكثر تأثيراً في قرار الحرب والسلم.