Beirut weather 16.32 ° C
تاريخ النشر May 6, 2026
A A A
«إسرائيل» عالقة بين مأزقها في جنوب لبنان وإصرار نتنياهو على مواصلة الحرب

كتب حسن حردان

 

تنقسم قراءات الخبراء العسكريين والمحللين السياسيين الإسرائيليين، أو في مراكز الأبحاث الدولية، حول مأزق جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، وخلفيات إصرار رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو على الاستمرار في الحرب رغم اتضاح عدم القدرة على تحقيق النصر فيها، إلى عدة أبعاد مترابطة:

أولاً: مأزق جيش الاحتلال الميداني الاستراتيجي،

تجمع التحليلات على أنّ جيش الاحتلال يواجه ما يُعرف عسكرياً بـ “مأزق الاستنزاف دون حسم”، وتتجلى أبرز نقاط هذا المأزق في:

1 ـ العجز عن السيطرة الجغرافية الكاملة: على الرغم من التوغل البري وتدمير قرى الحافة الحدودية في جنوب لبنان، لم ينجح جيش الاحتلال في تأمين حزام أمني مستقر. فالطبيعة الجغرافية الوعرة لجنوب لبنان (الأودية والتلال الحاكمة) تحوّلت إلى مصيَدة للمدرّعات وقوات النخبة الصهيونية، حيث تعتمد المقاومة على “الدفاع المرن” والكمائن من مسافة صفر.

2 ـ فشل استراتيجية الردع ضدّ المُسيّرات والصواريخ: تقرّ التقارير العسكرية الإسرائيلية بأنّ الدفاعات الجوية (القبضة الحديدية ومقلاع داوود) تواجه تحدياً هائلاً أمام الطائرات المُسيّرة الانقضاضية ذات البصمة الرادارية المنخفضة، والصواريخ المنحنية التي تستهدف تجمعات جنود العدو في الخطوط الأمامية والمستوطنات في الشمال الفلسطيني المحتل بكثافة نارية مستمرة.

3 ـ استنزاف القوات البرية الصهيونية (تآكل “الجيش النظامي والاحتياط”): يعاني جيش الاحتلال من إرهاق لوجستي وبشري حاد نتيجة القتال على جبهات متعددة لأشهر طويلة. هناك تذمّر متزايد في أوساط جنود الاحتياط بسبب طول فترة الخدمة، والخسائر البشرية اليومية (قتلى وجرحى)، فضلاً عن النقص الحاد في الذخائر وقطع الغيار للمعدات الثقيلة.

4 ـ معضلة العودة إلى المستوطنات: كان الهدف المعلن للحرب هو “إعادة المستوطنين الى مستوطنات الجليل القريبة من الحدود مع لبنان بأمان، وتوفير الأمن والاستقرار للمستوطنين المقيمين، لكن القصف المستمر واهتزاز الهدن والكمائن المستجدة جعلت هذا الهدف بعيد المنال، مما يحوّل “الإنجاز العسكري” المتخيّل إلى عبء سياسي واقتصادي مستدام.

ثانياً: ما وراء إصرار نتنياهو على مواصلة الحرب؟

يرى المحللون السياسيون الإسرائيليون أن استمرار نتنياهو في حرب يوصف أفقها بـ “المسدود” لا ينطلق فقط من حسابات عسكرية، بل يرجع إلى حزمة من الدوافع الذاتية والسياسية:

1 ـ الحسابات السياسية والشخصية – البقاء في السلطة..

يهدف نتتياهو من وراء استمرار الحرب الى:

ـ تأجيل الحساب القضائي والسياسي معه: انتهاء الحرب يعني تلقائياً بدء لجان تحقيق رسمية في إخفاقات هجوم 7 أكتوبر وما تلاه، وتفعيل محاكمات الفساد التي تلاحق نتنياهو. بالنسبة له، استمرار حالة الطوارئ والحرب هو الضمانة الوحيدة لمنع تفكك ائتلافه الحاكم وسقوط حكومته ومواجهته المحاكمة ودخول السجن.

ـ إرضاء اليمين المتطرف: يعتمد نتنياهو بشكل كلي على الأحزاب اليمينية القومية المتطرفة (مثل بن غفير وسموتريتش) التي ترفض أيّ اتفاق لوقف إطلاق النار، وتهدّد بإسقاط الحكومة إذا توقفت العمليات العسكرية دون تحقيق “النصر المطلق” أو إقامة مناطق عازلة دائمة.

2 ـ مفهوم النصر المطلق الوهمي

يرفض نتنياهو القبول بصيغ إنهاء الحرب التي تترك حزب الله قادراً على إعادة بناء ترسانته العسكرية. هو يبحث عن “صورة نصر” حاسمة وتاريخية تمحو إخفاقات الماضي، وهو ما يفسّر تبنّيه لسياسة “الضغط العسكري المستمر” ظناً منه أنّ استمرار التدمير والاغتيالات سيجبر الطرف الآخر على الاستسلام للشروط الإسرائيلية كاملة.

3 ـ الرهان على التغيّرات الإقليمية والدولية

ـ الرهان على الدعم الأميركي المطلق: يراهن نتنياهو على أنّ واشنطن لن تتخلى عن “إسرائيل” عسكرياً أو دبلوماسياً مهما طالت الحرب، مع استغلاله الدائم لهامش المناورة السياسية مع الإدارة الأميركية الحالية لكسب المزيد من الوقت وفرض وقائع جديدة على الأرض.

ـ إعادة تشكيل الشرق الأوسط: ينظر نتنياهو إلى هذه المواجهة كفرصة تاريخية لتفكيك “محور المقاومة” وإضعاف نفوذ إيران الإقليمي بشكل جذري، معتبراً أن كلفة الحرب الحالية ـ مهما بلغت ـ مبررة لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي بعيد المدى.

خلاصة القول: يقع جيش الاحتلال في جنوب لبنان بين فكي كماشة.. عجز ميداني عن تحقيق حسم حقيقي ينهي التهديد، وضغط سياسي من رأس الهرم الحكومي يمنع صياغة مخارج دبلوماسية واقعية؛ مما يجعل الحرب تدور في حلقة مفرغة من الاستنزاف المتبادل…