Beirut weather 16.32 ° C
تاريخ النشر May 6, 2026
A A A
الفشل الأميركي يغيّر وجه العالم
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

ليس إعلان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن نهاية عملية “الغضب الملحمي” – العنوان الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لحربه على الجمهورية الإسلامية في إيران – أمراً عادياً، حتى لو ربط روبيو ذلك بالحديث عن بداية عملية “الحرية” الخاصة بفتح مضيق هرمز التي نعاها وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بالإعلان عن تمرير سفينتين والتمسك باعتبار وقف النار قائماً رغم الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران. كذلك يبدو ربط إعلان روبيو لنهاية الحرب بصفته مشروع مقايضة مع مشروع قرار يصدر عن مجلس الأمن – كما يحلو لبعض المحللين القول – مجرد خداع بصري لتبرير الفشل؛ فما قابله الفيتو الروسي الصيني قبل شهر لمشروع قرار يدين إيران ويغطي العقوبات واستخدام القوة دون الفصل السابع، سيواجهه فيتو أشد وأقوى مع إدخال الفصل السابع على نص مشروع القرار الذي قال روبيو إنّه يحتاج إلى التعديل لضمان مروره في التصويت.

 

– إن التخفيف من اعتبار الفشل الذريع الذي أصاب مشروع فتح مضيق هرمز بالخداع والقوة الناعمة مع إيحاءات القوة الخشنة، هو نهاية المغامرة الأميركية التي خطط لها بنيامين نتنياهو ووافقه عليها دونالد ترامب، رهاناً على إسقاط النظام الإسلامي في إيران بمجرد قتل قادته وعلى رأسهم المرشد الإمام الخامنئي؛ فقد انتهت المقامرة والمغامرة، وصمدت إيران وتماسكت وتمسكت بثوابتها، وهي تفاوض من موقع قوة تستمدها من اجتماع الجغرافيا والحق والإرادة، وهو ثلاثي بقدر قليل من عناصر القوة قادر على خلق منافسة غير متكافئة مع أي غزو أجنبي مهما بدا ظاهر ميزان القوى مختلاً لصالح الغزاة. والفارق بين حالة وحالة هو المدة اللازمة لتظهير النتيجة، وها هي أميركا و”إسرائيل” في حالة إيران بزمن قياسي يُحسب بالأيام الأربعين للحرب – رغم عشرات آلاف الغارات – تخرجان من الحرب وتحصدان الخيبة والفشل. ومعلوم أن “إسرائيل” التي كانت تحلم بالعودة للحرب تدرك أنها لا تستطيع فعل شيء دون أميركا، التي لم تعد تملك ما تراهن عليه لمواصلة الحرب، وصار صانع القرار فيها معنياً بالإصغاء إلى أحد اثنين لا يمكن الجمع بينهما، هما: “البرميل و”إسرائيل””، وبرميل النفط قال ما يكفي عن معنى إمساك إيران بمضيق هرمز بقوة الجغرافيا والحق والإرادة.

 

– يكتشف الأوروبيون الذين رفضوا الإصغاء لترامب بالمشاركة في الحرب بنسختها الأولى أو بنسختها الخاصة بمضيق هرمز، أنهم اتخذوا أول قرار صائب بصورة مستقلة، ولا يغير من ذلك التباهي الأميركي بحجم الضرر اللاحق بإيران أو الذي سيلحق بها جراء الحصار؛ فأكاذيب الانهيار الإيراني الوشيك يعرفها القاصي والداني، وإيران التي تستطيع الصمود لسنوات وسنوات – وهي أصلاً كي تخسر 500 مليون دولار يومياً يجب أن تكون صادراتها 5 ملايين برميل يومياً، وهذا رقم خيالي لا يشبه واقع تصدير 800 ألف برميل بحراً فقط و700 ألف برميل عبر تركيا وأذربيجان – علماً أن الوكالات العالمية كلها تتحدّث عن مرور ناقلات نفط إيرانية وعبورها إلى مقاصدها في قلب الحصار وآخرها أمس. أما السوق الإيرانية فلا تتأثر بالحصار إلا من حيث الأسعار بسبب التضخم، لكن السلع في غالبها إنتاج محلي ولا تتأثر بالحصار، وقدرة الاقتصاد الإيراني على التكيف حتى في المجال النفطي هائلة؛ وقد كانت إيران في الثمانينيات من القرن الماضي تصدر نفطها بالبراميل بواسطة قوارب الصيد وعبر بونات تمنح للذين يوردون إليها البضائع الأجنبية مقابل سعر محسوم عن سعر السوق، هذا عدا عن المصافي الصغيرة التي انتشرت في أنحاء إيران يومها، في ظل اقتصاد صغير كان يحتاج إلى استيراد كل شيء في تلك الأيام أثناء الحرب التي شنها عليها النظام العراقي السابق.

 

– الحقيقة التي يقولها تصريح روبيو عن نهاية العملية الحربية ومواصلة عملية “الحرية” – التي وُصفت بالعملية الإنسانيّة التي لا تريد إسقاط وقف إطلاق النار وتتهرّب من اعتبار التصدي الإيراني للقطع الحربية الأميركية خرقاً لوقف إطلاق النار- هي أن البرميل يصرخ “كفى”، لأن الاقتصاد العالمي يطلق تحذيرات الانهيار؛ من إفلاس 15 ألف شركة وفق صندوق النقد الدولي، إلى انقطاع سلاسل التوريد في مجال الأسمدة والموصلات المهمة للتكنولوجيا، وما تشهده أسعار المعادن والأسمدة وما يحدث مع النقل الجوي من أزمات، بحيث لا حل بالأمن العسكري للأزمة بل بالأمان السياسي الذي لا ينتج إلا عن التوافقات، ما دام النصر المطلق مستحيلاً والاستسلام بعيد المنال. والعالم يعرف أن واشنطن ذهبت للحرب منفردة وقالت لحلفائها لا أحتاجكم بعد إعلان النصر، وهي الآن تعود إلى المجتمع الدولي لمساعدتها على إيجاد استراتيجية خروج، لعل قمّة ترامب مع الرئيس الصيني تكون منصة مناسبة لها للعودة بحلة جديدة إلى مسار “إسلام آباد”.

 

– إن الفشل الأميركي أمام إيران نقطة تحول تاريخية في المشهدين الإقليمي والدولي، سيحتاجان مزيداً من الوقت للظهور، لكنه مسار أكيد بدأ وسوف يُقدّم المزيد من الشواهد، وما قد يؤخر بعض فصوله هو الممانعة الإسرائيلية ورفض التسليم بالفشل والهزيمة، وهذا ما تحاول المقاومة اللبنانية قوله على أرض الواقع، وتشكل المفاوضات المباشرة مع الاحتلال بوليصة تأمين لتفاديه.