Beirut weather 25 ° C
تاريخ النشر November 5, 2026
A A A
أي حرب وتغيير أي نظام؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

شهدت أميركا انتخابات تحوّلت إلى محاكمة شعبية لوجهة الحكم، بعدما دعا ترامب الناخبين إلى التعامل معها كأنها انتخابات رئاسية واسمه على أوراقها. فجاء انتقال الأكثرية في مجلسَي الكونغرس إلى الديمقراطيين، واختراق معاقل جمهورية، تعبيراً عن سحب التفويض الذي استند إليه الرئيس لإطلاق مشروعه في الداخل والخارج. وتضاعفت دلالة التحول لأن بعض الذين حملوه إلى البيت الأبيض عادوا إلى الصناديق ليصوّتوا ضد مرشحيه، وفق تشخيص نائبه جي دي فانس. بذلك دخلت أميركا مرحلة تتجاوز تبدّل الأكثرية البرلمانية: رئيس يتمسك بخياراته، وكونغرس يستمد قوته من الاعتراض عليها، وحزب جمهوري يبدأ الخلاف على أسباب الهزيمة وطريق الخروج منها. وفي قلب هذا الانقسام حضرت الحرب على إيران، بكلفتها الاقتصادية والسياسية وصلتها بالعلاقة مع “إسرائيل”، لتصبح مساءلتها مدخلاً إلى مساءلة المشروع الذي قاد البلاد إليها.

ذهبت أميركا و”إسرائيل” إلى الحرب على إيران تحت عنوان تغيير النظام، فإذا بالحرب تفتح مسار تغيير وجهة الحكم في أميركا و”إسرائيل”، وتدفع آلياتهما السياسية نحو الاستعصاء. هذه هي المفارقة التي تكشفها الانتخابات وما أعقبها من مواقف داخل قيادة البيت الأبيض، بالتزامن مع أزمة تشكيل الحكومة الإسرائيلية. فقد تحوّلت الحرب من أداة لفرض التغيير على الخصم إلى قوة تضغط على أصحابها، وتسحب من قياداتها التفويض، وتضع العلاقة الأميركية الإسرائيلية نفسها على طاولة المراجعة.

لم يكن تغيير النظام في إيران مشروطاً بوصول قيادة تعلن ولاءها لواشنطن، بقدر ما كان الهدف إجبار القيادة الإيرانية الحالية، أو إنتاج قيادة إيرانية جديدة، والمعيار هو قبول المطالب الأميركية والإسرائيلية، أو جعل إيران دولة فاشلة عبر إضعاف تماسك مؤسساتها وإدخال آليات القرار في تنازع يعطّل قدرتها على مواصلة خياراتها. وكان الرهان أن تتحوّل الخسائر العسكرية والضغوط الاقتصادية إلى احتجاج اجتماعي، ثم إلى انقسام سياسي، فتجد السلطة نفسها أمام تغيير السياسات أو مواجهة أزمة بقاء. لذلك كانت الفوضى إحدى النتائج المطلوبة حين يتعذر إنتاج البديل القادر على الحكم.

لكن المسار الذي راهن عليه أصحاب الحرب في إيران أخذ يظهر داخل الكيانين الأميركي والإسرائيلي؛ بعدما تراكمت كلفة المواجهة على الاقتصاد والمعيشة والأمن، وتراجعت صدقية الوعود بالحسم، ثم جاءت الانتخابات لتحوّل الاعتراض إلى تغيير في موازين السلطة. وفي “إسرائيل”، خسر معسكر نتنياهو الأكثرية واستقر عند 53 مقعداً، بينما بقي خصومه أمام معادلة صعبة لتشكيل الحكومة، حيث سلطة تنفيذية بلا أكثرية تسند مشروعها، وأكثرية معترضة تتعثر في الاتفاق على البديل. وهذه إحدى صور الاستعصاء التي كانت الحرب تريد إنتاجها في طهران.

أما في أميركا، فقد أعطى نائب الرئيس جي دي فانس لهذا الارتداد اسمه السياسي المباشر عندما حمّل الحرب مسؤولية الهزيمة الجمهورية. والأهم أنه رفض اختزال المشكلة بتراجع مشاركة الناخبين الجمهوريين، وشرح أن كثيرين ممن انتخبوا ترامب وفانس عام 2024 حضروا إلى الصناديق وصوّتوا للديمقراطيين. بذلك انتقلت المسألة من صعوبة تعبئة الجمهور إلى تمرّده على خيارات القيادة التي سبق أن منحها ثقته.

وحدّد فانس، استناداً إلى استطلاع عرضه عليه خبير يثق به، أربعة مطالب لاستعادة هؤلاء الناخبين: إنهاء الحرب، ومعالجة غلاء المعيشة والتضخم، ووضع أميركا أولاً، وتغيير العلاقة بـ”إسرائيل”. وتتصل هذه المطالب في سلسلة واحدة: حرب تستنزف الموارد، وكلفة يدفعها المجتمع، وعلاقة خارجية بات قسم من الناخبين يرى أنها تزاحم مصالحه. وعندما يعرض نائب الرئيس هذه الخلاصة، يصبح التغيير موضوعاً داخل القيادة، ويغدو استمرار السياسة السابقة سبباً لتعميق خسارتها.

وسابق ترامب نائبه إلى التعبير عن حجم الضغط، بإعلانه أثناء الاقتراع إنهاء التمويل السنوي للمساعدات العسكرية لـ”إسرائيل”، ورَبْطِهِ الإعلانَ بالكلفة الانتخابية التي يتحملها الجمهوريون. وذَكَرَ عبدول السيد نموذجاً للمرشحين الذين جعلوا هذا التمويل قضية في مواجهة الحزب الحاكم. هكذا بلغ التحول لغة الرئيس الأكثر تباهياً بانحيازه لـ”إسرائيل”: صار الوعد بوقف مساعداتها مادة يخاطب بها الناخب الأميركي لاستعادة تأييده.

تكمن الدلالة السياسية في دخول هذا الخيار قاموس البيت الأبيض مع ترامب نفسه. وحتى محاولة استخدامه لاحتواء الغضب تكشف مقدار التحول؛ فالقيادة تستعير مطلباً من معارضي سياستها كي تحمي موقعها. وبعدما كانت العلاقة بـ”إسرائيل” تُقدَّم باعتبارها مصدراً للقوة والنفوذ، أصبح رئيس أميركي يشرح لماذا يريد التخلص من كلفتها الانتخابية، ويأتي نائبه ليضع تغييرها ضمن شروط المصالحة مع الجمهور.

وفي “إسرائيل”، سبقت الانتخابات مواجهة بين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير حول تحرّك عسكري قد يقود إلى التصعيد مع إيران. وبحسب تقارير القناة 12، طلب زامير نقاشاً إضافياً وتوثيقاً مكتوباً للتفويض القانوني، وسط مخاوف عسكرية من توظيف الملف الإيراني سياسياً. وقد أظهرت المواجهة أن القرار الحربيّ نفسه صار موضع تنازع داخل بنية الحكم، وأن محاولة استعادة المبادرة خارجياً تصطدم بحسابات المؤسسة العسكرية في الداخل.

هنا تكتمل صورة الارتداد: تفويض انتخابي يتآكل، وقيادة أميركية تتجادل حول الحرب والعلاقة بـ”إسرائيل”، وحكم إسرائيلي يعجز عن تجديد أكثريته أو إنتاج بديله. كانت الحرب تريد دفع إيران إلى تغيير خياراتها تحت ضغط المجتمع والانقسامات المؤسسية؛ فإذا بهذا الضغط يتقدم في أميركا و”إسرائيل”. لقد أطلقت واشنطن وتل أبيب حرب تغيير النظام، ثم عادتا من صناديق الاقتراع تواجهان سؤال تغيير يخرج عن السيطرة وفقاً لآليات النظام السابق قبل أن تغيّره إيران!