Beirut weather 20 ° C
تاريخ النشر November 5, 2026
A A A
“ترامب لا يزال رئيسكم”.. لكن الناخب الأميركي سحب ثقته!
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

“ترامب لا يزال رئيسكم.. شكراً لاهتمامكم بهذا الأمر”..

بهذه الكلمات ردّ البيت الأبيض على خسارة الرئيس دونالد ترامب وحزبه الجمهوري الانتخابات النصفية، في عبارة تختصر الكثير من الغطرسة السياسية، وربما من الإنكار وعدم القدرة على استيعاب حجم الهزيمة التي مُني بها الجمهوريون، بعدما انتزع الحزب الديمقراطي السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ.

صحيح أن ترامب لا يزال رئيساً، لكن الناخب الأميركي قال كلمته وسحب ثقته، محوّلاً صناديق الاقتراع إلى استفتاء على أداء ترامب وسياساته، وموجهاً إليه رسالة قاسية بأن الشعارات الانتخابية وسياسة القوة لا تستطيع حجب الأزمات الداخلية أو تعويض تراجع مستوى المعيشة.

شكّل الاقتصاد العامل الأبرز في هذه الخسارة، مع استمرار غلاء الأسعار والتضخم وتراجع القدرة الشرائية لدى المجتمع الأميركي، فيما زادت الرسوم الجمركية المخاوف من ارتفاع كلفة السلع.

وجاءت الحرب على إيران لتضاعف من الهواجس، بعدما تحولت إلى عبء اقتصادي وعسكري، وأعادت إلى ذاكرة الأميركيين التداعيات الكارثية للانخراط في حروب مكلفة لا تبدو لها نهايات واضحة.

لكن التداعيات الأخطر لهذه الهزيمة تكمن في انتقال مجلسي النواب والشيوخ إلى سيطرة الديمقراطيين، ما يمنحهم قدرة أكبر على مراقبة الإدارة وفتح التحقيقات ومساءلة المسؤولين وعرقلة أجندة ترامب التشريعية.

وقد تتحول المرحلة المقبلة إلى مواجهة سياسية مفتوحة، خصوصاً مع تلويح الديمقراطيين، بقيادة حكيم جيفريز، بمحاسبة المسؤولين عن الفساد والإثراء غير المشروع وجرّ البلاد الى مستوى متدنِ غير مسبوق.

أمام هذا الواقع، يجد ترامب نفسه أمام خيارات صعبة: إما احتواء الهزيمة وإعادة ترتيب أوراقه، أو اللجوء إلى مزيد من التصعيد بحثاً عن مساحة للمناورة واستعادة المبادرة. وهنا تبرز المخاوف من أن تدفعه أزمته الداخلية إلى مغامرات سياسية أو عسكرية، ولا سيما في ظل الحرب مع إيران والتوترات المتصاعدة في المنطقة.

لا تعني سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس انقلاباً في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط عموما، وإيران وإسرائيل ولبنان خصوصا، فالسياسة الخارجية الأميركية لا تتغير مع تبدل الحكام أو موازين القوى لا سيما فيما يتعلق بتقديم الدعم المطلق للكيان الصهيوني الغاصب. لكن ما قد يتغير هو اسلوب الادارة الداخلية مع وجود كونغرس معارض من شأنه أن يرفع مستوى الضغوط على ترامب الذي لا يزال يحتفظ بصلاحيات واسعة، لكنه قد يجد نفسه مضطرا إلى مراجعة حساباته بين التسويات السياسية والبحث عن إنجاز خارجي يعيد ترميم صورته الداخلية.

إذاً، هي هزيمة مدوية تكشف في بعض وجوهها أن حلفاء ترامب ضاقوا ذرعاً بسياساته وتناقضاته وجنونه، وأن داخل الحزب الجمهوري من لم يعد قادراً على تحمّل كلفة الارتهان الكامل له، ما يفتح الباب أمام مراجعة سياسية مبكرة استعداداً لمعركة الرئاسة عام 2028، إذ تشير المعطيات الى أن أركان الحزب الجمهوري بدأوا يفتشون عن شخصية تعيد ترميم صورته التي قام ترامب بتهشيمها في أول سنتين، ولا أحد يتوقع ماذا سيكون مصيرها معه في السنتين المقبلتين.

قد يكون ترامب لا يزال رئيساً، كما قال البيت الأبيض، لكنه خرج من الانتخابات بنفوذ سياسي متراجع وتفويض شعبي مهتز. فالناخب الأميركي لم يسقطه من البيت الأبيض، لكنه سحب منه جزءاً أساسياً من القدرة على الحكم بلا محاسبة.