Beirut weather 22 ° C
تاريخ النشر October 19, 2026
A A A
بين تعثر التفاوض واستعراض القوة
الكاتب: جوني منيّر

كتب جوني منيّر في الجمهورية 

من المفترض أن تبدأ غداً جولة جديدة من المفاوضات العسكرية بين لبنان وإسرائيل تحت الرعاية الأميركية. صحيح أنّ الوفد العسكري اللبناني لا يزال متمسكاً بلاءاته الثلاث: لا صورة، لا سلام، لا كلام مباشر، إلّا أنّ ما تشهده قاعة قيادة «سينتكوم» في تامبا، يشكّل جولة تفاوضية جديدة، ولو بغياب الفريق الديبلوماسي. وبات واضحاً أنّ إسرائيل لم تكن راغبة بانعقاد هذه الجولة بسبب الأجواء الإنتخابية، لكن واشنطن كانت مصرّة على حصولها.

 

الأجواء التي سبقت هذه الجولة عكست جواً تشاؤمياً حيال إمكانية الخروج بنتائج كبيرة، في ظل تمسك إسرائيل بمطالبها، وفي الوقت نفسه رفضها التجاوب مع المطالب اللبنانية. ذلك أنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو المحشور إنتخابياً، يبحث عن أوراق رابحة يمكن أن يستثمرها في معركته الصعبة. لذلك فهو ليس في وارد القيام بأي انسحابات جدّية، ولا أيضاً بوقف الخروقات والقصف اليومي الذي تقوم به قواته في الجنوب. وفي المقابل، لا يجد لبنان أي مصلحة له برفض الدعوة الأميركية للمشاركة في جولة جديدة، كي لا يعمد نتنياهو إلى استخدامه كذريعة للإندفاع أكثر في مشروعه العسكري.

 

 

 

التفاوض بلا أفق

 

وبات واضحاً، أنّ الوفد الإسرائيلي سيتمسّك بطلبه، التواصل العسكري المباشر مع الجيش اللبناني. والمقصود هنا، ليس فقط التفاوض المباشر مع الوفد العسكري اللبناني، بل بإنشاء قنوات تنسيق مباشرة بين الجيشين في جنوب لبنان. أي أنّه يسعى لإنشاء غرفة عمليات واحدة تتولّى قيادة دوريات مشتركة، تحت ذريعة التحقق من النقاط التي تُعتبر ملتبسة، إضافة إلى إجراء كشف ميداني يومي والقيام بتفتيش المنازل والأماكن السكنية، بحجة كشف مداخل الأنفاق ومستودعات الأسلحة والصواريخ. أما الوفد اللبناني، فهو يتمسك برفضه لكل النقاط، ويشدّد على ضرورة تنفيذ إسرائيل بما كانت التزمت به في وثيقة «صيغة الإطار»، لناحية بدء انسحاب قواتها ووقف كامل وتام لإطلاق النار. كذلك، فإنّ الجيش اللبناني ملتزم بتطبيق القوانين اللبنانية لناحية ضرورة الحصول على موافقة قضائية مسبقة لتفتيش أي منزل. أضف إلى ذلك، أنّ الجيش اللبناني ملتزم بما تقرّره السلطات اللبنانية والتي ما زالت ترفض حصول أي تنسيق مباشر ما بين لبنان وإسرائيل.

 

 

 

مستقبل الأمن

 

لكن لبنان يدرك جيداً أنّ الأمور تبدو أكثر تعقيداً مستقبلاً. فتشكيل لجنة الرقابة الدولية لا يزال متعثراً، وسط معارضة إسرائيلية وأميركية مشتركة. وهو ما يعني أنّ انسحاب قوات «اليونيفيل» سيخلق فراغاً خطيراً في ظل عدم وجود قوة دولية بديلة. وعدا أنّ ذلك سيؤدي إلى تغييب أي شاهد أو رقيب دولي على ما يمكن أن تقوم به إسرائيل. وهنالك أيضاً أوضاع السكان وطريقة تأمين حمايتهم وحاجاتهم الملحّة. وهو ما تراهن عليه إسرائيل، لجعل الجيش أمام الأمر الواقع ودفعه لتأمين التنسيق المباشر الذي تطالب به.

 

 

 

ويحصل ذلك في موازاة تفاقم الأوضاع الداخلية في لبنان، وسط تبادل الرسائل المرمزة بين طهران وواشنطن عبر الساحة اللبنانية. فأزمة الـ«TNT» أظهرت أنّ المخاطر الداخلية أكبر مما كان يعتقده عدد من المراقبين. والرسائل الإيرانية المتلاحقة أظهرت تمسكاً واضحاً بمواجهة قرار فك الإرتباط بين الساحة اللبنانية وإيران. فيما الرسائل الأميركية كانت تدعو السلطة اللبنانية للتحرك وإثبات نفسها. وهو الواقع الذي كشفته حادثة اكتشاف متفجرات الـ«TNT»، والضجة التي رافقتها.

 

 

 

الحدود والتهريب

 

صحيحٌ أنّ عمليات التهريب عبر الحدود مع سوريا عبر منطقة الهرمل شهدت هدوءاً بعد «فوعة» التهريب خلال الأسابيع الماضية، إلّا أنّ هذا الهدوء يبقى موقتاً بسبب الظروف، قبل أن تستعيد خطوط التهريب نشاطها المعهود. وفي المناسبة، فإنّ ما لفت، هو تراجع سيطرة دمشق بعض الشيء على المجموعات الموجودة عند الجانب السوري من الحدود. أقله هذا ما أظهرته ممرات التهريب المفتوحة ولو بطرق ملتوية، ولغايات الإستفادة المالية. وفي وقت طرحت واشنطن أسئلة تشكّك بمناعة الأجهزة والقوى العسكرية اللبنانية، بسبب سهولة حصول عمليات نقل المتفجرات من البقاع الشمالي إلى بيروت، بدا أنّ واشنطن تشكّك أيضاً بوجود خروقات قضائية، ما قد يمنع الوصول إلى نتائج حاسمة في التحقيقات الجارية. وهو ما يمكن استنتاجه بوضوح من تصريح السفير الأميركي ميشال عيسى.

 

 

 

وحتى الآن، فإنّ المعلومات التي تملكها الأوساط الديبلوماسية، هي أنّ التحقيقات لا تزال متوقفة عند نقطة عدم معرفة الموقوفين أسماء من سلّمهم المتفجرات، وإلى مَن تحديداً كانوا سيعمدون لتسليمها. وإنّ العملية كانت تحصل وفق ما يجري تعريفه بـ«البريد الميت». وتالياً، فإنّ العقوبة وفق هذا الواقع قد تقتصر على أشهر معدودة.

 

 

 

وفي موازاة ذلك، انفجرت أزمة أخرى على خلفية دهم مستودع أدوية في منطقة غاليري سمعان، والذي أعقبه تحرّك أمني لمجموعات «حزب الله»، هو الأول من نوعه في الضاحية الجنوبية منذ تشكيل الحكومة. وأرفق «حزب الله» تحرّكه الأمني ببيان أكّد فيه، أنّ أي تحرك للقوى الأمنية اللبنانية في اتجاه الضاحية الجنوبية يجب أن يسبقه تنسيق مع قيادة الحزب أياً يكن المكان المقصود. وهي المعادلة التي وضعها «حزب الله» في وجه السلطة اللبنانية.

 

 

 

وفي الليلة نفسها، أطلق «حزب الله» مسيرة ضمّت العشرات من الدراجات النارية، وجابت أحياء زقاق البلاط وبربور والخندق الغميق والسوديكو وبشارة الخوري وصولاً إلى الوسط التجاري على مقربة من السراي الحكومي، وهو ما أوحى بأنّ المسار الذي سلكته المسيرة مرسوم بعناية، ويحمل الرسائل الضمنية المطلوبة، وسط انضباط واضح وغياب الإحتكاكات.

 

 

 

الإجراءات غير كافية

 

ولم يؤدِ الإنتشار الذي نفّذته وحدات الجيش في اليوم التالي إلى تبديد الرسائل التي حملتها مسيرة دراجات الليل. فدوريات الجيش بدت أقرب إلى بث أجواء التطمين المعنوي، أكثر منه للإمساك بالشارع بنحو حازم، خصوصاً أنّه دام لساعات معدودة، ولم يشهَد أي دهم أو توقيفات. وتمّت قراءة رسائلها بأنّها استعراض قوة وضغط سياسي وأمني ورسالة حضور في قلب العاصمة، ورسالة ردع إلى الخصوم، ورسالة إلى الدولة والأجهزة الأمنية، بأنّ ملاحقة أشخاص مرتبطين بالحزب لن تمرّ بلا ردّ. وقد يكون الهدف أيضاً اختبار ردّ فعل الدولة. والأدق وصفها بأنّها استعراض قوة، يحمل عنصر ضغط وردع، وقد يُفهم بوصفه تحذيراً من الذهاب بعيداً في مواجهة الحزب. لكن لا يمكن الجزم بأنّ الهدف كان التحضير لعمل أمني أوسع، أو أنّ التحرك يشكّل بحدّ ذاته مقدمة لتكرار أحداث 7 أيار 2008.

 

 

 

رسائل الشارع والدولة

 

وتبدو الرسالة الموجّهة إلى الدولة اللبنانية أكثر أهمية من الرسالة الموجّهة إلى خصوم الحزب في الشارع، عبر القول: لا تجعلوا التحقيق والمصادرة مدخلاً إلى فرض سلطة أمنية كاملة على الحزب من دون احتساب ردّ فعله. وفي المقابل، فإنّ أي تراجع للدولة تحت ضغط الشارع قد يُفسَّر على أنّه دليل على محدودية قدرتها على تطبيق القانون بالتساوي. والسؤال الذي سيحدّد دلالة ما جرى هو: هل ستواصل الدولة التحقيق وملاحقة المسؤولين عن الشحنة، أم ستخفف اندفاعتها بعد هذا الاستعراض؟ هنا ينتقل الأمر من رسالة في الشارع إلى اختبار فعلي لهيبة الدولة.

 

 

 

وفي الذكرى السابعة لثورة 17 تشرين، بدا أنّ هذا الحدث الكبير نجح في تحقيق تغيير على مستوى الوعي، ولكنه فشل في تغيير سلوك النظام المتبع. فهذا الوعي لم يُترجم الى محاسبة جدّية، فبقيت الخيبة لدى الأوساط الشبابية خصوصاً، وبقي الفساد لا بل ارتفع منسوبه، واستمر نزيف الهجرة. في الواقع فشلت هذه الحركة الشعبية في إنتاج بديل فعلي، وبقيت الذهنية نفسها قائمة، ونجحت القوى الحزبية في إعادة إنتاج نفسها. في اختصار، تلقّت المنظومة ضربة في شرعيتها، لكنها نجحت بالبقاء ولو بصور وأشكال مختلفة، ولكن وفق السلوك نفسه.