Beirut weather 22 ° C
تاريخ النشر October 19, 2026
A A A
هل يحتاجُ لبنان إلى اتفاق الـIMF أم إلى مشروع اقتصاديّ؟

كتب د. فؤاد زمكحل 

في خضم الأزمات الاقتصادية والمالية والنقدية المتراكمة، يعود النقاش حول الاتفاق مع صندوق النقد الدولي إلى واجهة المشهد اللبناني، وكأنّ هذا الاتفاق بات المفتاح السحري القادر على إخراج البلاد من أزمتها، وإعادة الثقة إلى قطاعها المصرفي، وتحريك عجلة إقتصادها المتعثّر. لكنّ السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه اليوم، ليس فقط: متى يوقّع لبنان اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي؟ بل الأهم: أيّ اقتصاد نريد أن نبني بعد هذا الاتفاق؟ وهل نبحث عن إنقاذ مالي موقّت، أم عن مشروع اقتصادي وطني مستدام؟

لا يعاني لبنان مجرّد أزمة سيولة أو عجز في المالية العامة، بل يواجه أزمة نموذج اقتصادي استُنزفت مقوّماته، وتراجعت قدرته الإنتاجية، وتضرّرت مؤسساته، وتآكلت الثقة بين الدولة والمواطن والمستثمر والقطاع المصرفي. ومن هنا، فإنّ اختزال الحلّ باتفاق مع صندوق النقد الدولي، مهما بلغت أهميته، ينطوي على خطر معالجة النتائج من دون الأسباب.

 

برنامجان

يشكّل التوصّل إلى اتفاق جدّي وموثوق مع صندوق النقد الدولي خطوة أساسية لاستعادة الثقة الدولية، وإعادة تنظيم المالية العامة، وإصلاح القطاع المصرفي، وفتح الباب أمام دعم المؤسسات المالية الدولية. لكن لا بدّ من التمييز بين برنامج للاستقرار المالي، يهدف إلى ضبط الاختلالات وتحقيق التوازن النقدي والمالي، وبرنامج للنهوض الاقتصادي، يتطلّب رؤية وطنية واضحة لتطوير القطاعات الإنتاجية، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، واستعادة لبنان موقعه الاقتصادي إقليمياً ودولياً.

 

فالصندوق يستطيع المساهمة في تثبيت الاقتصاد، لكنه لا يستطيع تحديد هوية لبنان الاقتصادية الجديدة، وهي مسؤولية الدولة والقطاع الخاص والقوى الإنتاجية والمجتمع.

وغالباً ما يتحوّل النقاش الاقتصادي اللبناني إلى سباق لاستيفاء شروط المؤسسات الدولية، بدلاً من أن يكون مساراً وطنياً لإعادة بناء الاقتصاد. وإصلاح القطاع المصرفي، ومعالجة الفجوة المالية، وإعادة هيكلة الدين العام، وتحديث النظام الضريبي، وضبط الإنفاق، خطوات ضرورية، لا لمجرّد تلبية مطالب الصندوق، بل لأنّ استمرار غيابها يهدّد مستقبل البلاد.

 

لكنّ الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد القوانين المُقرّة، بل بقدرتها على التطبيق ونتائجها على المواطنين والمؤسسات. فلا قيمة لموازنة متوازنة حسابياً إذا كان الاقتصاد ينكمش، والاستثمارات تتراجع، والشباب يهاجرون، ولا جدوى من زيادة الإيرادات الضريبية إذا جاءت على حساب القدرة الشرائية من دون تحسين الخدمات أو توسيع القاعدة الإنتاجية.

المطلوب، إذاً، إصلاح يعيد خلق القيمة المضافة، لا مجرّد تحسين الأرقام. وهذا يستوجب معالجة الأزمة المصرفية التي عطّلت، منذ عام 2019، الدور التقليدي للمصارف في تمويل المؤسسات والاستثمار والنمو، ودفعت جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي نحو التعامل النقدي، فيما باتت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تعتمد على مواردها الذاتية ومصادر تمويل محدودة.

 

هيكلة المصارف

ينبغي ألّا تقتصر إعادة هيكلة المصارف على توزيع الخسائر، بل أن تؤسّس لقطاع يتمتّع بالملاءة والحوكمة والشفافية، ويستعيد ثقة المودعين والمستثمرين. كما يتطلّب ذلك معالجة عادلة وواضحة للودائع والخسائر، تحترم تراتبية المسؤوليات وتحمي الحقوق ضمن الإمكانات المتاحة. فالاقتصاد يحتاج إلى التمويل، والتمويل يحتاج إلى الثقة، والثقة لا تُستعاد من دون عدالة ومحاسبة.

كذلك، أثبتت التجربة، أنّ الاعتماد المفرط على التحويلات والتدفقات الخارجية والاستهلاك والعقارات والخدمات التقليدية لا يكفي لبناء اقتصاد متين. وفي ظلّ التحوّلات العالمية نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة البديلة والصناعات المتخصّصة، لا يستطيع لبنان الاستمرار في استنزاف طاقاته بإدارة أزماته اليومية.

 

ويقتضي المشروع الاقتصادي الجديد، دعم القطاعات الإنتاجية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتحفيز ريادة الأعمال، وتطوير الاقتصاد المعرفي، وتعزيز الصادرات، واستقطاب الاستثمارات النوعية. كما ينبغي بناء شراكة شفافة بين القطاعين العام والخاص، بعيداً من المحاصصة والاحتكارات.

ويشكّل الاغتراب اللبناني شريكاً استراتيجياً محتملاً، لا مجرّد مصدر للتحويلات، إذ يستطيع المساهمة في الاستثمار ونقل التكنولوجيا وفتح الأسواق وربط البلاد بالشبكات الاقتصادية العالمية.

 

غير أنّ الانتقال من الصمود إلى النمو يتطلّب بيئة قانونية ومؤسساتية مستقرة، وقضاءً مستقلاً، وبنية تحتية حديثة، وإدارة عامة كفوءة، وسياسات ضريبية واستثمارية تشجّع الإنتاج. كما يستدعي استراتيجية اقتصادية متوسطة وطويلة الأجل، تتجاوز عمر الحكومات والدورات الانتخابية، وتحدّد أهدافاً قابلة للقياس في النمو والتوظيف والاستثمار والتصدير.

إنّ الاتفاق مع صندوق النقد الدولي قد يشكّل فرصة مهمّة، لكنه لن يكون كافياً من دون إرادة سياسية حقيقية ورؤية اقتصادية متكاملة. فالمطلوب ليس الخضوع لشروط الخارج ولا رفض التعاون الدولي باسم السيادة الاقتصادية، بل توظيف هذا التعاون لإطلاق مشروع وطني يحدّد اللبنانيون أولوياته ويتحمّلون مسؤولية تنفيذه.

 

التحدّي الحقيقي لا يكمن فقط في إقناع الصندوق بجدّية الإصلاحات، بل في إقناع اللبنانيين والمستثمرين بقدرة لبنان على استعادة دوره بلداً للإنتاج والعمل والاستثمار. فالاتفاق قد يفتح باب الخروج من الأزمة، لكنّ المشروع الاقتصادي الوطني هو الذي يرسم الطريق إلى المستقبل.

والسؤال الذي ينبغي أن يواجه المسؤولين اليوم هو: هل يريد لبنان اقتصاداً يبحث باستمرار عن مصادر لإنقاذه، أم اقتصاداً ينتج الثروة، ويخلق فرص العمل، ويموّل نموّه، ويستعيد مكانته الإقليمية والدولية؟ فالبلاد لا تحتاج فقط إلى مَن ينقذها من ماضيها، بل إلى مَن يمتلك الرؤية والجرأة لبناء مستقبلها.