Beirut weather 24 ° C
تاريخ النشر October 16, 2026
A A A
انحسار الإمبراطورية واختناق الموازنة: فرنسا بين أفول النفوذ الأفريقي وفخ الديون؟
الكاتب: حسن حردان

كتب حسن حردان في البناء 

تطرح أزمة الديون الفرنسية المتفاقمة أسئلة بنيوية أعمق بكثير من كونها مجرد تعثر مالي عابر لبلد أوروبي محوري؛ فهي تمسّ صميم النقاش حول مستقبل النموذج الرأسمالي الغربي بصيغته المعاصرة، وبخاصة نموذج “دولة الرفاهية المُموّلة بالاستدانة”، والارتباط التاريخي الوثيق بين هذا النموذج واستنزاف ثروات المستعمرات السابقة.

يمكن تفكيك هذه الأزمة الشاملة عبر ثلاثة أبعاد متكاملة:

 

أولاً: أزمة بنيوية

للنموذج الرأسمالي الداخلي

تتجسّد اهتزازات النموذج الرأسمالي الغربي في الأزمة الفرنسية عبر عدة مؤشرات هيكلية:

1 ـ تصدّع “عقد دولة الرفاهية”: وُلد النموذج الأوروبي الغربي بعد الحرب العالمية الثانية بناءً على تسوية تاريخية تقضي بتقديم خدمات عامة واسعة (صحة، تعليم، تقاعد) مموّلة بالضرائب. واليوم، عجز هذا النموذج عن الاستمرار دون ديون فلكية، نظراً لعجز الاقتصادات عن النمو بالسرعة الكافية لتغطية التكاليف المتزايدة لشيخوخة السكان وخدمة الدين.

2 ـ هيمنة “المالية المجرّدة” على الاقتصاد الحقيقي: نبع جزء كبير من الأزمة من اعتماد الحكومات المتواصل على الاقتراض المستمر من الأسواق المالية العالمية لتمويل عجز الميزانية، مما جعل السيادة السياسية والديمقراطية رهينة لتصنيفات وكالات الائتمان ومزاج المستثمرين في أسواق السندات.

2 ـ أزمة الشرعية الديمقراطية: عندما تجد حكومة منتخبة نفسها مضطرة لفرض سياسات تقشفية، كرفع سنّ التقاعد أو خفض الإنفاق الاجتماعي رضوخاً لضوابط “بروكسل” والأسواق، يفقد الناخب الشعور بجدوى صوته الانتخابي، مما يغذي الصعود السياسي للحركات السياسية اليسارية المعارضة والاحتجاجات الاجتماعية المستمرة.

 

ثانياً: انحسار الريع الاستعماري

وتجرد الاقتصاد الفرنسي

لا يمكن فصل الرفاه الاقتصادي والاستقرار المالي الذي تمتع به الداخل الفرنسي طوال عقود عن بنية النهب الاستعماري غير المباشر في القارة الأفريقية؛ فقد شكل هذا الريع الخارجي دعامة خفية للموازنة الفرنسية:

1 ـ آلية “الفرنك الأفريقي” والسيولة المُيسّرة: أتاح نظام “الفرنك الأفريقي” للخزينة الفرنسية السيطرة على جزء كبير من الاحتياطيات النقدية الأجنبية لدول غرب ووسط أفريقيا. وفر ذلك لفرنسا سيولة نقدية هائلة وقدرة على الاقتراض بتكلفة منخفضة، مما عوّض جزئياً الاختلالات في الموازنة الداخلية.

2 ـ استنزاف الموارد بأسعار تفضيلية: ضمنت الشركات الفرنسية الكبرى الحصول على المواد الخام الحيوية (كالطاقة واليورانيوم والنفط) بأسعار استثنائية، مما أبقى تكاليف الإنتاج المحلية في فرنسا منخفضة وسمح بتمويل دولة الرفاه دون إثقال كاهل رأس المال الداخلي بضرائب تصاعدية مرتفعة.

3 ـ التمرد الأفريقي وسقوط الغطاء: مع تصاعد موجات التمرد السياسي والشعبي في منطقة الساحل والغرب الأفريقي، وانحسار النفوذ الفرنسي لصالح أنظمة مستقلة وقوى دولية جديدة، تراجعت قدرة باريس على جباية هذا الريع الاستعماري. نتيجة لذلك، انقطعت الموارد الخفية التي كانت تُرمم عجز الميزانية، ليجد الاقتصاد الفرنسي نفسه مكشوفاً أمام أزماته الهيكلية والديون الفلكية.

 

ثالثاً: التكيف الرأسمالي والتأجيل

بدلاً من “السقوط النهائي”

رغم عمق هذه الاختلالات، فإنّ النظام الرأسمالي الغربي لا ينهار بدفعة واحدة، بل يمتلك آليات للتكيف وإعادة إنتاج أزماته:

1 ـ طبع النقود وإدارة الديون: بفضل مظلة منطقة اليورو والبنك المركزي الأوروبي، تمتلك فرنسا هامش حماية يمنع الانهيار الفجائي الشبيه بالدول النامية المفلسة، حيث تعمل السياسات النقدية على تأجيل الإفلاس وإعادة جدولة الديون.

2 ـ المرونة الإنتاجية والتنافسية: يضم الاقتصاد الفرنسي شركات كبرى ذات تنافسية عالمية في مجالات استراتيجية (كالطيران، الطاقة، الصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا)، مما يعني أن الثروة موجودة، لكن الأزمة تكمن في سوء توزيعها وعدم عدالة النظام الضريبي.

3 ـ إعادة الهيكلة على حساب الطبقات العاملة: تاريخياً، تُترجم أزمات الديون الكبرى إلى ضغوط لتقليص دور الدولة الاجتماعي، وخصخصة ما تبقى من القطاع العام، وانتزاع المكاسب التاريخية للطبقات الوسطى والعاملة لصالح رأس المال المالي.

خلاصة القول: إنّ أزمة الديون الفرنسية ليست مجرد تعثر مالي أو سقوط دراماتيكي فورياً للرأسمالية، بل هي مؤشر واضح على وصول “نموذج الرفاهية المُمول بالاستدانة وبالريع الاستعماري الخارجي” إلى طريق مسدود.

ومع تآكل قواعد النهب في أفريقيا وتفاقم المديونية في الداخل، تتكشف عجز الرأسمالية الغربية عن توفير استقرار معيشي مستدام دون تآكل حقوق مواطنيها، مما يدفع النظام نحو مرحلة أكثر هشاشة، واستقطاباً سياسياً، وتوحشاً اقتصادياً، وتفجراً متواصلاً للأزمات الاجتماعية في الشارع…