Beirut weather 23 ° C
تاريخ النشر October 16, 2026
A A A
مانشيت “الأنباء”: بيروت في قلب الزحمة الدبلوماسية: اتصال أميركي ودعم قطري
الكاتب: الأنباء الالكترونية

استقبلت بيروت رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بعدما كانت تتابع في الوقت نفسه مغادرة الوفد الإيراني، واتصالات واشنطن مع بعبدا، فيما تتحرك العواصم الأوروبية لرسم ملامح المرحلة التي تلي انتهاء مهمة “اليونيفيل”. زحمة تحمل في ظاهرها عناوين الدعم والوساطة، لكنها تعكس في جوهرها قلقاً دولياً متزايداً من أن يتحول لبنان مجدداً إلى ساحة تتقاطع فيها المواجهة الإيرانية الأميركية مع الحسابات الإسرائيلية، في وقت لا تزال فيه الدولة اللبنانية تبحث عن مساحة فعل حقيقية لحماية سيادتها واستقرارها.

 

وتتقدم زيارة رئيس الوزراء القطري المشهد، ليس لمستوى المسؤول الزائر وحسب، بل لتوقيت الزيارة وما تحمله من رسائل تتجاوز العلاقات الثنائية. فالدوحة، التي راكمت رصيداً في الوساطات الإقليمية والدولية، تدخل إلى بيروت في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى قنوات اتصال قادرة على الحد من التصعيد، وإلى دعم سياسي ومؤسساتي يساعدها على تجنب الانزلاق إلى مواجهة جديدة.

 

ومن المقرر أن تشمل لقاءاته رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى قائد الجيش العماد رودولف هيكل والمدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير. وتتصدر الملفات التي يحملها الزائر القطري “دعم الجيش والمؤسسات الأمنية، والطاقة والكهرباء، وإعادة الإعمار كعنوان أساسي لتأهيل البنى التحتية والمرافق العامة المتهالكة أو المتضررة جراء الحرب، بهدف تهيئة البيئة المناسبة لعودة النازحين”، وإن كانت الخطوات التنفيذية الكبرى ترتبط بمدى استقرار المشهد الميداني والسياسي الشامل، إلى جانب الأفكار المتداولة بشأن “المناطق التجريبية” في الجنوب، بوصفها إحدى الصيغ المطروحة لتثبيت التهدئة واختبار ترتيبات أمنية وميدانية جديدة.

 

وكشفت المصادر المتابعة لزيارة رئيس الوزراء القطري، أن الدوحة تسعى عبر شبكة علاقاتها الواسعة مع مختلف الأطراف اللبنانية والإقليمية إلى بناء “مظلة دبلوماسية” تدفع نحو الحلول السياسية والحد من الخيارات العسكرية، ما يساعد الدولة اللبنانية على استعادة قرارها السيادي وتعزيز استقرارها، خصوصاً في ظل النقاشات الدولية الحساسة حول الترتيبات الأمنية المستقبلية في الجنوب اللبناني.

 

لكن السؤال الأهم هو ما إذا كانت قطر تحمل تصوراً عملياً لتخفيف المخاطر، أم أنها تسعى إلى تهيئة الأرضية السياسية لتفاهمات لا تزال تصطدم بالتباعد بين المطالب اللبنانية والشروط الإسرائيلية. فالدوحة تمتلك قنوات اتصال مؤثرة مع واشنطن، وتؤدي دوراً في مساعي خفض التوتر بينها وبين طهران. وتكتسب تحركاتها في بيروت أهمية إضافية، بما لها من علاقات لتوظيف قدراتها كما في السابق حيث نجحت في منع اتساع الحرب، الضغط باتجاه وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، وربط أي ترتيبات ميدانية بضمانات تحمي لبنان وأن لا تتحول “المناطق التجريبية” إلى واقع أمني دائم يخدم إسرائيل.

 

وفي موازاة ذلك، اختتم مساعد وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده زيارته التي تضمنت لقاءات مع مسؤولين لبنانيين، في مقدمهم الرئيس بري، وتناول البحث العلاقات الثنائية والتطورات اللبنانية والإقليمية وآفاق المرحلة المقبلة. وأكد المسؤول الإيراني أهمية استمرار تبادل الزيارات والتنسيق بين البلدين. ولا ينبغي تحميل هذه الزيارة أكثر مما أعلن عنها رسمياً، إلا أن توقيتها يعكس اهتمام طهران بمتابعة التحولات اللبنانية في مرحلة تتزايد فيها الضغوط على حلفائها، وتتداخل فيها المفاوضات مع واشنطن مع حسابات المواجهة الإقليمية.

 

وفي سياق الحراك الدبلوماسي، تلقى رئيس الجمهورية اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وعرض معه للأوضاع العامة في لبنان والمنطقة في ضوء التطورات الأخيرة.

 

كما بحثا في وضع الجنوب في ضوء استمرار الاعتداءات الاسرائيلية على القرى والبلدات الجنوبية. وطلب الرئيس عون من روبيو الضغط على إسرائيل لوقف هذه الاعتداءات والتزام مندرجات اتفاق الاطار والتوقف عن أعمال التجريف وتمكين المزارعين من الوصول إلى حقولهم وعدم التعرض لهم.

 

وأكد الرئيس عون للوزير روبيو، خلال الاتصال، أن الجيش والقوى الأمنية يقومان بواجباتهما كاملة في تطبيق القرارات المتعلقة بمنع المظاهر المسلحة ومصادرة الأسلحة والذخائر ومكافحة التهريب، وما سجل في الأيام القليلة الماضية من اجراءات يندرج في هذا السياق، لافتاً إلى أن الأجهزة القضائية تتابع كل الملفات التي تحال اليها ولن يكون هناك أي تساهل مع المرتكبين، وأن القوانين ستطبق من دون أي محاباة.

 

وكانت قضية شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر استحوذت على جانب أساسي من الاهتمام السياسي والأمني. وإقرار “حزب الله” بملكية الشحنة، مع قوله إنها مخصصة لاستهداف القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية المحتلة، لا ينهي الجدل حولها، بل يضع الدولة أمام اختبار واضح: هل تستطيع أجهزتها الأمنية والقضائية تطبيق القانون على الجميع، بعيداً من الضغوط السياسية، أم أن كل إجراء سيادي سيتحول إلى مواجهة جديدة بين المؤسسات الرسمية والحزب؟

 

وفي جلسة مجلس الوزراء في السراي الكبير، حضرت أزمة الكهرباء وسبل زيادة ساعات التغذية، فيما بقي ملف المتفجرات في صلب السجال السياسي. وتمسك رئيس الحكومة بمبدأ أن القضاء سيأخذ مجراه، في مقابل رد عنيف من النائب حسن فضل الله حذّر فيه الحكومة من مغبة التمادي في إجراءاتها. وخطورة هذا السجال أنه يضع هيبة الدولة في مواجهة اختبار علني، في وقت تحتاج فيه المؤسسات إلى تثبيت مرجعيتها، لا إلى تبادل التهديدات التي تزيد الانقسام الداخلي.

 

ولا يمكن فصل ذلك عن التصعيد الإسرائيلي، فوزير الحرب يسرائيل كاتس لوّح بتوسيع السيطرة العسكرية في الجنوب نحو النبطية والليطاني، وبإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت إذا انخرط “حزب الله” في أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل. وهي تهديدات تكشف أن تل أبيب لا تكتفي بمواصلة خروق وقف إطلاق النار، بل تلوّح بتحويل الاحتلال والتهجير إلى أدوات ضغط طويلة الأمد. وفي ظل غياب تأكيد لانعقاد جولة حوار جديدة، بما فيها على المستوى العسكري، تبقى احتمالات التأجيل قائمة، فيما تتداول الأوساط المعنية تقديرات ترجح ترحيلها إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.

 

أوروبياً، يتقدم البحث في اليوم التالي لانتهاء مهمة “اليونيفيل”. فقد اتفق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على إنشاء مهمة دعم جديدة للبنان، لتدريب الجيش وقوى الأمن الداخلي وتعزيز قدراتهما الحدودية والبحرية والأمنية، في خطوة تكتسب أهميتها من اقتراب موعد انتهاء المهمة الدولية الحالية. لكن التدريب والمساعدة لا يعوضان وحدهما الدور الذي تؤديه القوات الدولية في المراقبة والوساطة والحد من الاحتكاك على الحدود. ولذلك يحتاج لبنان إلى ضمانات واضحة بشأن المرحلة الانتقالية، حتى لا يتحول الانسحاب الدولي إلى فراغ يسمح لإسرائيل بفرض وقائع جديدة بالقوة.

 

إقليمياً، لا يقل المشهد خطورة. فالتصعيد بين الحوثيين والسعودية، والهجمات التي طاولت أهدافاً سعودية، يعكسان اتساع دائرة التهديدات التي تتجاوز ساحات الاشتباك التقليدية. أما حادث استهداف ناقلتين قبالة رومانيا في البحر الأسود وفقدان سبعة بحارة، فينتمي إلى مسار التوتر البحري المرتبط بالحرب الأوكرانية، ولا تتوافر معطيات تثبت صلته المباشرة بالمواجهة في اليمن.

 

وفي الملف الإيراني الأميركي، تتزايد المخاوف من عودة المواجهة العسكرية، بالتزامن مع استمرار الحديث عن قنوات تفاوض ورسائل متبادلة. وقد حذرت طهران من تداعيات أي حرب جديدة، فيما لا يمكن الجزم بأن قراراً أميركياً أو إسرائيلياً بشن عملية عسكرية قد اتُّخذ. لكن لبنان لا يستطيع التعامل مع هذه الاحتمالات بوصفها شأناً بعيداً عنه، بعدما ربطت إسرائيل صراحةً أي انخراط للحزب في مواجهة مع إيران بتوسيع عملياتها وتهديداتها على الأراضي اللبنانية.