Beirut weather 24 ° C
تاريخ النشر October 16, 2026
A A A
من هرمز إلى البورصات: أزمة الطاقة والذكاء الاصطناعي

كتب ناصر قنديل 

لم تعد أزمة الطاقة محصورة بسعر البرميل وكلفة تعبئة السيارات. موجة البيع التي ضربت الأسواق، وخصوصاً بورصات آسيا وأسهم التكنولوجيا، تكشف انتقال الضغط إلى تمويل الشركات وتقييم استثماراتها. حيث يغذي ارتفاع الوقود التضخم، والتضخم يبقي الفائدة مرتفعة، والفائدة تعيد فتح السؤال عن جدوى مشروعات قامت على الاقتراض وانتظار أرباح المستقبل. هنا تلتقي اضطرابات هرمز والمصافي مع المخاوف من تضخم استثمارات الذكاء الاصطناعي؛ لكل أزمة أسبابها، لكن اجتماعهما يجعل احتواء إحداهما أصعب، وينقل كلفة الحرب إلى قطاعات بدت بعيدة عن جغرافيتها.

 

في الخامس عشر من تشرين الأول، هبط مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي 7.6%، وخسر نيكاي الياباني 4.9%. وفي التداولات الأميركية اللاحقة، تراجعت حدة الاضطراب؛ ارتفع داو جونز وستاندرد آند بورز، بينما بقي ناسداك أضعف أداءً. لذلك فإن المشهد يتضمّن انهيارات حادة في أسواق وقطاعات، مع انتقال أموال إلى قطاعات أخرى، وليس سقوطاً متساوياً لجميع البورصات. لكن التفاوت لا يقلل خطورة ما حدث لأن الأسهم التي حملت وعود النمو أصبحت مركز الخوف من كلفته.

 

بدأت الحلقة الأميركية تتضح مع بيانات أسعار المستهلكين، التي أظهرت تسارع التضخم السنوي إلى 3.7% في أيلول، ثم أسعار المنتجين التي ارتفعت 1.3% خلال شهر و6.3% خلال سنة. وكانت قفزة أسعار البنزين أحد المحرّكات البارزة. هذه الأرقام تضرب الرهان على اقتراب المال الأرخص؛ فالمصرف المركزي الذي يواجه تضخماً متجدداً يجد صعوبة في خفض الفائدة، بينما تخشى الأسواق عودة رفعها. والأسوأ أن الضغط بدأ يتجاوز الطاقة إلى أسعار سلع وخدمات أخرى، بما يصعّب احتواء موجته، كما تنشر الغارديان.

 

أما النقطة التي كشفت هشاشة التمويل فكانت شركة «كورويف»، المتخصصة في البنية التحتية للحوسبة والذكاء الاصطناعي. حيث أوردت رويترز أن التزاماتها تقارب خمسين مليار دولار، وأن سهمها خسر نحو 15% الأربعاء، فيما تجاوز العائد على ديون تستحق عام 2032 نسبة 15%. المعنى يتجاوز هبوط سهم، فحين يطلب السوق عائداً بهذا الحجم لتمويل الشركة، فهو يرفع تقديره للمخاطر. وعندئذ تصبح عقود الإيرادات المستقبلية موضع تدقيق، وتزداد أهمية السيولة المتاحة اليوم وقدرة المشروعات على تمويل نفسها.

 

الخفيّ في هذه المعادلة أن الشركات قد تمتلك طلباً حقيقياً وتكنولوجيا مطلوبة، ثم تواجه أزمة بسبب توقيت الإنفاق والعائد. بناء مراكز البيانات وشراء الرقائق يحتاجان إلى أموال فورية، بينما تتوزع الإيرادات على سنوات. وكل ارتفاع في كلفة التمويل يستهلك جزءاً من الربح المنتظر، ويخفض القيمة الحالية لتلك الإيرادات. لذلك يمكن أن تستمر صناعة الذكاء الاصطناعي في التوسّع، بالتزامن مع سقوط تقييمات بعض شركاتها أو اضطرارها إلى تقليص استثماراتها. نجاح التكنولوجيا وحده لا يضمن سلامة النموذج المالي الذي يموّلها.

 

هنا تدخل أزمة الطاقة من باب أوسع من فاتورة الكهرباء. الديزل يدخل في النقل والزراعة والمقاولات وتوزيع السلع؛ ونقصه يرفع كلفة النشاط الاقتصادي ويضغط على الطلب والأرباح. وقد خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها للطلب العالمي على النفط، مرجّحة تراجعه 2.6 مليون برميل يومياً خلال السنة، مع مساهمة الديزل بربع الانخفاض. وهذه إشارة مقلقة، لأن تراجع الاستهلاك بفعل الغلاء وتعطل النشاط يختلف عن انخفاض ناتج من تحسن الكفاءة، ويجمع الضغط على الأسعار مع إضعاف النمو.

 

لم تحمل إجراءات الطوارئ حتى الآن ما يكفي لتبديد القلق. قرّرت وكالة الطاقة تسريع الإفراج عن المخزونات المتبقية من تعهّد آذار، بينها أكثر من عشرين مليون برميل ديزل، بعدما طُرحت كميات تصل إلى خمسين مليوناً. وأثارت محدودية القرار خيبة لدى بعض المتعاملين، فارتفعت الأسعار عقب الإعلان. وتكمن المشكلة في الفرق بين توفير شحنات مؤقتة واستعادة انتظام الإنتاج والتكرير والنقل؛ طالما أن الاحتياطي يشتري وقتاً، لكنه لا يصلح منشأة متضررة ولا يضمن عبور ناقلة.

 

لهذا حذرت الوكالة من استمرار نقص الديزل إلى داخل العام المقبل، رغم تخفيف القيود على الوقود الروسي. فالسماح بالتصدير لا يخلق تلقائياً طاقة تكرير إضافية، كما أن تحسّن العبور في هرمز يظل معرضاً للانتكاس مع تجدد الهجمات. وهذه هي الصلة السياسية الأعمق باضطراب البورصات، حيث إن استمرار أزمة الإمدادات يطيل عمر التضخم، ويؤخر انفراج التمويل، ويزيد احتمال تعثر المشروعات المثقلة بالديون.

 

لا يعني ذلك أن أزمة الطاقة تفسّر وحدها بيع أسهم التكنولوجيا؛ فالتقييمات المرتفعة والمنافسة والشكوك في العوائد عوامل مستقلة. لكنها تضاعف أثرها في لحظة حساسة. وما يظهر على الشاشات هبوطاً في أسعار الأسهم يُخفي وراءه إعادة حساب لكلفة الحرب والانتظار. وكلما امتدّ الاضطراب، اتسعت دائرة المتضرّرين من شركات النقل والمصانع إلى المقرضين والمستثمرين، وتعاظمت المصلحة الاقتصادية في تسوية تعيد انتظام الإمدادات، لأن المخزونات والاستثناءات تستطيع تخفيف الصدمة، بينما يبقى إنهاء أسبابها شرطاً لاستقرار أطول.