Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر August 29, 2026
A A A
العفو العام نقيض للعدالة… إليكم بالحوكمة الرقمية كآليةٍ للتصدي لبيروقراطية إدارة الملفات القضائية
الكاتب: د. عادل مشموشي

كتب د. عادل مشموشي في اللواء 

ليس بإقرار قانون عفو عام تتحقق العدالة، ولا بتخفيض مدة السنة السجنية، ولا بالتلطي خلف شعار استقلالية القضاء، ولا حتى بإعادة النظر في رواتب القضاة ومساعديهم رغم أحقية هذا المطلب. هذه المقاربات قد تكون مبررة وربما ضروريةً، لكنها لا ترقى إلى المستوى المطلوب في إصلاح منظومة العدالة، لكونها تتعامل مع النتائج ولا تعالج الأسباب الحقيقية لما يثقل منظومة العدالة في لبنان.

 

إقرار قانون العفو العام يشكل مناسبةً ملائمةً لطرح سؤالٍ على درجةٍ كبيرةٍ من الأهمية: هل كتب على اللبنانيين التعايش مع الأزمات إلى ما لا نهاية؟ وقصر المقاربات على حلولٍ ترقيعية، تتعامل مع مظاهر النتائج الكارثية بدلاً من التصدي لصلب المشكلات ومعالجة أسبابها والحؤول دون تكرارها؟

 

قد يخفف العفو العام الاكتظاظ في السجون آنيًا، ولكنه ينطوي على مظالمٍ للضحايا ولكل من انتهكت حقوقهم بغفلةٍ من أجهزة الأمن، وقد يرى فيه البعض أنه يضع حدًا لمعاناة فئةٍ من الموقوفين والمحكومين، إلا أنه لا ينصف الأبرياء، وكذلك إن تخفيض مدة السنة السجنية قد يخفف من عدد النزلاء، لكنه يفقد العقوبات المقررة بحق المرتكبين مفاعيلها الرادعة. ولكن المؤكد أن المقاربتين تزيدان من مظالم المعتدى عليهم، ولا تحولان دون عودة المشكلة مستقبلاً. وثمة تساؤل محق: «كم من الوقت سيمضي لنكون أمام اقتراح قانون عفوٍ جديد، طالما بقيت المقاربات قاصرةً عن معالجة مواضع الخلل التي تعيق مسار العدالة في لبنان؟ ألم يحن الأوان بعد للانتقال من منطق إدارة المشكلات إلى معالجة أسبابها؟ ومن تبني الحلول الظرفية إلى إطلاق ورشةٍ وطنيةٍ إصلاحيةٍ لتحديث المنظومة القضائية برمتها.

 

العدالة ليست القضاء وحده، والقضاء ليس القضاة وحدهم. إنها منظومة متكاملة تتداخل فيها المحاكم والنيابات العامة وقضاة التحقيق والضابطة العدلية ومختلف أجهزة إنفاذ القانون والمحامين، لا بل إن مرتكزها الأساسي هو الكادر الإداري والعدلي الذي يضم الأقلام والكتبة والمساعدين القضائيين والعاملين في شتى دوائر الإدارة القضائية، هذا فضلاً عن التشريعات والبنى التحتية وأدوات الحوكمة الرقمية التي تسهل إدارة الملفات وتفعل آليات الرقابة وتنفيذ الأحكام وتيسير التبليغات. وإن أي خللٍ في إحدى هذه الحلقات ينعكس سلباً على قدرة المنظومة بأكملها على إنتاج عدالةٍ ناجزة.

 

إن اختزال مسألة إصلاح القضاء في استقلاليته، ينطوي على تبسيطٍ لمعضلةٍ أكثر تعقيداً مما يتراءى لأصحاب القرار. ولا شك في أن استقلال القضاء ضمانة أساسية للعدالة، لكنه غير كافٍ لتحقيق العدالة. ولا يكفي أن يكون الجهاز القضائي مستقلاً إذا كان القضاة محكومون بالعمل مع آلية إداريةٍ مثقلةٍ ببيروقراطيةٍ مرهقةٍ في إدارة الملفات، أو في قصور عدلٍ تفتقر إلى أبسط مقومات العمل، أو في ظل إجراءاتٍ بطيئةٍ ومعقدة في عملية تنفيذ إبلاغ الأطراف بمواعيد الجلسات وتبادل اللوائح أو في تعقيد علميات سوق الموقوفين، أو من دون أدواتٍ تكنولوجيةٍ وبرمجياتٍ تسهل على القضاة ومساعديهم عملية إدارة مئات الملفات.

 

واهم من يعتقد أن القضاة ومساعديهم قادرون على أداء واجباتهم الوظيفية بكفاءةٍ عاليةٍ من دون توفير ظروف عملٍ ملائمة. حيث تفتقر قصور العدل إلى الحد الأدنى من الأمور اللوجستية، لا كهرباء لا مياه للمرافق الصحية ولا تدفئة ولا تكييف لا قرطاسية… الخ. كيف لقاضٍ أو مساعدٍ قضائي أن يعمل من دون إنارة ومن دون تكييفٍ في ظل حرارةٍ ورطوبةٍ مرتفعتين وفي مكاتب تضيق بهم جراء تراكم الملفات… إن توفير ظروف العمل الملائمة والتجهيزات المكتبية ليست من قبيل الامتيازات أو التفاصيل الثانوية، بل ضرورات ينبغي التسليم بتوفيرها لتحقيق مرفقٍ قضائيٍ منتج.

 

في ظل هذه الظروف غير الملائمة لا تصح المطالبات بسرعة إنجاز الملفات، وبأحكامٍ ذات جودةٍ عالية، في الوقت الذي يدرك المعنيون أن البيئة التي يعمل فيها الجسم القضائي بكل مكوناته لا تساعد على دراسة الملفات وتنفيذ إجراءات الملاحقة والتقاضي والفصل في القضايا العالقة بأوقاتٍ وأعدادٍ قياسيةٍ، وإلا ستكون المعالجات أقرب إلى تسديد الملفات بعيداً عن معالجاتٍ منصفةٍ وعادلة.

 

واهم من يعتقد أن تسوية الرواتب والمخصصات يجعل القضاة أقدر على التعامل مع هذا الكم الهائل من الملفات، في ظل إهمال البنى التحتية لقصور العدل، وعدم الوقوف على الأوضاع التي يعمل في ظلها الكتبة والمساعدون القضائيون والموظفون الإداريون. لأن القضاة، رغم دورهم المحوري في إنجاز الملفات، إلا أنهم بحاجةٍ إلى كادرٍ إداري، وآخر عدلي مساعدٍ، يسهل العمل القضائي، ذلك أن الملفات التي ينظر فيها القضاة تمر عبر سلسلةٍ بشريةٍ وإداريةٍ متكاملة تبدا بموظفي الضابطة العدلية المساعدين للنيابات العامة وتنتهي بمن ينفذ الأحكام، بما تشمله مختلف مراحل الملاحقة من إجراءات تقصٍ وتحقيقٍ ومحاكمة، وكلها يلزمها إدارة رشيدة ورشيقة للملفات والمعاملات الإدارية والقضائية. فإن وجد خلل في إحدى تلك الحلقات نتيجة نقصٍ في عدد الموظفين أو افتقادٍ للتجهيز أو ضعفٍ في التدريب، انعكس ذلك سلباً على مسار العدالة برمته.

 

العدالة، وإن كانت تترسخ بأحكام منصفة، إلا أنها تبدأ من أبواب قصور العدل. فمن غير المقبول أن يدخل المواطن، وبخاصةٍ من يراجع بملفه للمرة الأولى، إلى قصر عدلٍ ولا يجد فيه خريطةً تبين مواقع النيابات العامة وقضاة التحقيق والمحاكم والأقلام التابعة لكل دائرة. وكيف يمكن لمواطنٍ غريبٍ عن قصور العدل أن يعرف أين يتوجه وماذا عليه أن يفعل؟ إلى متى سيبقى الوصول إلى المعلومة البسيطة رهناً بالسؤال والانتقال من مكتبٍ إلى آخر وإلهاء الموظفين بأسئلةٍ بسيطة؟ ولما لا تزود مداخل وباحات قصور العدل بخرائط ولوحاتٍ إرشاديةٍ واضحة؟ ولما لا تنشأ نقاط استعلامٍ مخصصة للإرشاد والتوجيه والرد على الاستفسارات؟ ولما لا توفر أجهزة استعلامٍ إلكترونيةٍ تتيح للمواطنين والمحامين الحصول على المعلومات الرسمية المتعلقة بالإجراءات، ومكان المحكمة المختصة، والمستندات المطلوبة، والرسوم والطوابع، والمراحل التي تمر فيها الملفات والمستندات التي ينبغي إرفاقها بكل معاملةٍ من المعاملات؟ ولما لا يحقق مركز لتلقي الاتصالات الهاتفية للاستفهام عن بعض الإجراءات وإعطاء الإرشادات الإجرائية دون المشورة القانونية.

 

أليس من حق المواطن أن يجد، وفق صفته وطبيعة معاملته، دليلاً واضحاً يجيب عن استفساراته ليسهل عليه التوجه إلى الجهة المختصة مباشرةً في قصور العدل؟ من ذلك: كيف يتقدم بإخبار؟ وكيف يقدم شكواه؟ وكيف تقدم الدعوى المباشرة ولمن؟ ما المستندات المطلوبة؟ ما هي الطوابع التي يتطلبها كل مستندٍ أو معاملة؟ وما هي الرسوم المتوجبة؟ وكيف تحتسب؟ وأين تسدد؟ ومن أين تستدرك الطوابع؟ وأين تسدد الرسوم والغرامات؟ وما هي مهل المراجعة والطعون؟ وأين يقدم كل منها؟ وكيف تتابع كل معاملة أو ملف؟ لا شك في أن تحقيق هذه الأمور البسيطة رغم أهميتها لا يتطلب موازناتٍ مرهقة.

 

ما أحوجنا في لبنان لإنشاء بوابةٍ إلكترونيةٍ على مواقع مختلف الوزارات وفي مقدمتها «بوابة العدالة اللبنانية» على موقع وزارة العدل، وليكن عنوانها «دليلٍ المواطن إلى العدالة». تتضمن دليلاً للمحاكم في شتى المحافظات والأقضية، يحدد موقعها الجغرافي واختصاصها المكاني والنوعي، ومراكز النيابات العامة وقضاة التحقيق والأقلام. هذا بالإضافة إلى إرشاداتٍ موحدةٍ ومبسطةٍ للإجراءات، ونشر نماذج عن المستندات والرسوم وجداول المهل لطرق المراجعة والطعن، فضلاً عن خرائط تفاعليةٍ لقصور العدل. ولما لا يحقق مركز وطني للاستعلام والإرشاد القضائي، يعمل وفق نظام مناوباتٍ يغطي 24/24، يعنى بالإجابة عن الاستفسارات العامة وتوفير المعلومة الإجرائية الرسمية للمواطنين التي تمكنهم من الوصول إلى المرجع المختص وممارسة حقهم بصورةٍ صحيحة.

 

ثمةً مسالة ملحة يستوجبها تراكم الملفات لدى الأقلام والكتبة والمساعدين القضائيين، توجب إعادة النظر في مسك وتنظيم إدارة الملفات. وهذا يتطلب التصدي للبيروقراطية الإدارية والانتقال إلى إدارةٍ محوكمةٍ لا بل إن الوضع يستدعي حوكمةً إلكترونيةً للمنظومة القضائية بكافة مكوناتها، حوكمة تمكن القضاة من الوصول إلى ملفاتهم إلكترونيًا وورقيًا، وللتفتيش القضائي الاطلاع على البيانات وتحليلها وقياس الأداء من خلالها وتتبع مسار أي ملف، وتقييم مستوى الانتاجية وجودة صياغة القرارات والأحكام وتعليلها.

 

لا نكشف سرًا إن أشرنا إلى أنه سبق وأنفقت ملايين الدولارات في تجهيز عددٍ من قصور العدل بالوسائل الإلكترونية والبرمجيات الرقمية، كما أخضع معظم الموظفين للتدريب على استخدامها. ومع ذلك، لم يصر إلى استغلال تلك الإنجازات. وهذا ما يدعونا للتساؤل: إذا كانت الإمكانات التقنية محققة، والمهارات البشرية متوفرة لماذا لا تستغل؟ وهل يمكن أن يحول دون ذلك عدم توفر الكهرباء نهاراً؟ إننا في لبنان نفتقد إلى العزم والإرادةٍ الصلبة والجرأة على اتخاذ قراراتٍ قد تلقى معارضةً ممن يخشون التحديث والتطوير أو المنتفعين من البيروقراطية الإدارية.

 

ليس هناك من شك في أن جهازنا القضائي مفعم بالكفاءاتٍ العلمية والشرفاء، وهم قادرون على التغيير ومواجهة التحديات، ولا ينقصهم سوى الدعم المعنوي واللوجستي، وتوفير مقتضيات العمل. الوضع لم يعد يحتمل التأجيل، ولم يعد من بدٍ من إطلاق مشروع حوكمة المنظومة القضائية، وإلا سيقودنا احتقان الملفات بعد سنواتٍ معدودات إلى انفجارٍ قد يطيح بالعدالة في لبنان.