Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر August 29, 2026
A A A
من الثقة إلى المليارات: هل تنجح الإمارات في إعادة لبنان إلى خريطة الاستثمار العربي؟

كتب د. أنيس بو ذياب

لم تكن زيارة الوفد الاقتصادي الإماراتي الكبير إلى بيروت مجرد زيارة بروتوكولية، بل حملت رسالة اقتصادية وسياسية مهمة: هل بدأت الثقة العربية بلبنان بالعودة؟

 

وجود نحو 90 شخصية من كبار رجال الأعمال والمستثمرين والقيادات الاقتصادية الإماراتية، برئاسة وزير التجارة الخارجية ثاني بن أحمد الزيودي، وتوقيع خمس مذكرات تفاهم، بينها إنشاء مجلس أعمال لبناني–إماراتي واتفاقيات في التجارة والزراعة والأمن الغذائي، يعكسان اهتمامًا يتجاوز المجاملات إلى البحث عن فرص حقيقية.

 

لكن السؤال الأهم ليس عدد الاتفاقيات، بل كم مشروعًا واستثمارًا وفرصة عمل ستنتج عنها؟

 

فلبنان لديه تاريخ طويل من الاتفاقيات، لكن مشكلته كانت دائمًا في الانتقال من التوقيع إلى التنفيذ. والامارات كانت تاريخيًا من أبرز المستثمرين العرب في لبنان، إذ تشير بيانات السفارة الإماراتية إلى استثمارات مباشرة بلغت نحو 7.8 مليارات دولار بين 2003 و 2016.

 

أين تكمن الفرص؟

 

الفرص كبيرة، وأبرزها البنية التحتية وإعادة الإعمار، من الكهرباء والمياه والطرق إلى المرافئ والمطار و  الاتصالات والبنية الرقمية. كما يمكن للبنان الاستفادة من الخبرة الإماراتية في الموانئ والمناطق الحرة والخدمات اللوجستية، وتحويل مرفأي بيروت وطرابلس إلى جزء من منظومة إقليمية للنقل وإعادة التصدير.

 

وفي قطاع الطاقة، يمكن للاستثمارات الإماراتية أن تفتح المجال أمام الطاقة الشمسية والمتجددة وتخزين الكهرباء وشبكات النقل والتوزيع، ضمن شراكات واضحة بين القطاعين العام والخاص، بدل أن تتحمل الدولة وحدها كلفة الاستثمار.

 

أما الزراعة والأمن الغذائي، فالاتفاقيات الموقعة تفتح الباب أمام الانتقال من الزراعة التقليدية إلى الزراعة الذكية والبيوت المحمية والتصنيع الغذائي وسلاسل التبريد والتصدير، مع إمكانية أن تكون الإمارات بوابة للمنتجات اللبنانية إلى أسواق الخليج وآسيا.

 

وتبرز كذلك فرص السياحة والضيافة والعقار، إضافة إلى التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، حيث يملك لبنان رأس مال بشريًا متخصصًا، فيما تمتلك الإمارات رأس المال والأسواق والبنية الرقمية.

 

لكن الاستثمار له شرط واحد: إلاصلاحات في لبنان

 

الإمارات تستطيع أن توفر المال والخبرة والأسواق، لكنها لا تستطيع أن تقوم بالإصلاحات اللبنانية بدل الدولة.

 

المستثمر يحتاج إلى الاستقرار، ووضوح القواعد، وحماية حقوقه، وسرعة الإدارة، وقضاء مستقل، وقطاع مصرفي قادر على تمويل الاقتصاد. ولذلك فإن نجاح الشراكة يرتبط بسرعة الإصلاحات، ولا سيما إعادة هيكلة القطاع المصرفي، إقرار إطار عادل للانتظام المالي واسترداد الودائع، إصلاح الكهرباء، تحديث الإدارة، تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتبسيط إجراءات الاستثمار.

 

من مجلس أعمال إلى غرفة عمليات للاستثمار

 

إنشاء مجلس الأعمال اللبناني–الإماراتي يمكن أن يشكل نقطة تحول، شرط ألا يتحول إلى مجلس جديد للاجتماعات والصور.

 

المطلوب أن يتحول إلى غرفة عمليات استثمارية تضع خارطة طريق مشتركة، تتضمن عشرة مشاريع ذات أولوية، مع تحديد كلفة كل مشروع، وآلية تمويله، وجدوله الزمني، وعائده المتوقع، وعدد فرص العمل التي يمكن أن يوفرها. عندها نقيس النجاح بالمشاريع والأرقام، لا بعدد مذكرات التفاهم.

 

من المذكرات إلى التنفيذ

 

هل تستطيع الاستثمارات الإماراتية إعادة النمو إلى الاقتصاد اللبناني؟ نعم، ولكن بشرط أن تترافق مع  الإصلاحات وأن تتجه إلى القطاعات الإنتاجية.

 

فالاستثمار يمكن أن يخلق فرص العمل، ويرفع الإنتاجية، ويحسن البنية التحتية، ويزيد الصادرات، ويجذب استثمارات عربية وأجنبية إضافية. لكن لبنان لا يستطيع انتظار الاستثمار أولًا ثم يبدأ بالإصلاح.

 

المعادلة واضحة:

 

إصلاحات لبنانية + ثقة عربية + رأس مال إماراتي + شراكة مع القطاع الخاص = نمو مستدام.

 

قيمة الزيارة الإماراتية أنها لا تحمل فقط أموالًا محتملة، بل تحمل إشارة ثقة. والثقة هي أول رأس مال يحتاجه الاقتصاد اللبناني بعد سنوات الانهيار.

 

لكن الأمل وحده لا يبني اقتصاداً. المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة التنفيذ: من المذكرات إلى العقود، ومن العقود إلى المشاريع، ومن المشاريع إلى الإنتاج وفرص العمل والنمو.

 

التحدي الحقيقي ليس أن نقنع الإماراتيين بأن لبنان بلد الفرص؛ فهم يعرفون ذلك جيدا التحدي أن نقنعهم بأن لبنان أصبح أيضًا بلد تنفيذ.

 

*خبير اقتصادي، عضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في لبنان