Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر August 29, 2026
A A A
ترامب عالق في الفقاعة التي صنعها
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

بنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب روايته عن الحرب مع إيران على ثلاث فرضيّات: تدفّق النفط عبر مضيق هرمز، نجاح الحصار الاقتصادي، والقدرة على استئناف الحرب إذا رفضت طهران شروطه. لكن الوقائع تقول إن هذه الفرضيات الثلاث ليست سوى فقاعات إعلاميّة؛ فلا فتح لهرمز تؤكده شركات الرصد، ولا حصار يتحقق من دون الصين، ولا حرب يمكن خوضها من دون مخزون كافٍ من صواريخ باتريوت وذخائر الدفاع الجوي.

 

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن أكثر من 15 مليون برميل عبرت هرمز في يوم واحد، وإنّ متوسط التدفق خلال سبعة أيام تجاوز ثمانية ملايين برميل يومياً. وتحدّثت الإدارة سابقاً عن تسعة ملايين برميل، فيما قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن خطوط الأنابيب تستطيع تعويض ما بين 50 و70 في المئة من حركة المضيق. ومن هذه الأرقام صنعت إدارة ترامب صورة تقول إن هرمز فُتح، وإن إيران فقدت ورقة الضغط، وإن أسعار النفط تتّجه نحو الهبوط.

 

لكن صحيفة «وول ستريت جورنال» طرحت السؤال المباشر: الولايات المتحدة تقول إن النفط يتدفق بغزارة عبر هرمز، فأين هو؟ وأظهرت مراجعة بيانات شركات تتبع السفن أن الأرقام الأميركيّة لا تظهر في حركة الناقلات ولا في كميات التحميل والتسليم. وقدّرت شركات الرصد التدفق الفعليّ بما يتراوح بين مليونين من هرمز منفرداً وستة ملايين برميل يومياً إذا أضيف إلى هرمز ما يتمّ تصديره عبر الأنابيب لحساب السعودية والإمارات إضافة إلى نفط عمان من خارج هرمز، ولكن الأكيد أن الرقم ليس خمسة عشر مليوناً.

 

أما كيبلر، التي تعتمد عليها شركات النفط والتأمين والمتعاملون في الأسواق، فأظهرت بياناتها الأخيرة عبور سبع سفن تجارية فقط في يوم واحد، بعدما بلغ العدد سبع عشرة سفينة في اليوم السابق، مقابل متوسط لعشرة أيام لا يتجاوز خمس عشرة سفينة. ولم تكن السفن السبع كلها ناقلات نفط خام، بل ضمّت ناقلات كيماويات وغاز وسفناً تجارية مختلفة. وحتى مع احتساب السفن التي تعبر بعد إغلاق أجهزة التعريف، لا تظهر كمّيات تقترب من الأرقام التي أعلنتها واشنطن.

 

وفكّك خبراء سوق النفط أيضاً كلام بيسنت عن خطوط الأنابيب. فالطاقة الاحتياطية المتاحة في خطوط السعودية والإمارات لا تتجاوز نحو 4.7 ملايين برميل يومياً، بينما كان يمر عبر هرمز قبل الحرب قرابة عشرين مليون برميل. ولتعويض ما بين 50 و70 في المئة من هذه الكمية، تحتاج المنطقة إلى طاقة أنابيب إضافية تتراوح بين عشرة ملايين وأربعة عشر مليون برميل يومياً، وهي طاقة غير موجودة.

 

لذلك لم يُصدّق السوق الرواية الأميركية. السوق لا يشتري التصريحات، بل ينظر إلى السفن وكميات التسليم وأسعار التأمين والمخزونات. ولو كان هرمز قد فُتح فعلاً، وعادت منه الكميات التي تتحدث عنها إدارة ترامب، لكان سعر النفط قد انهار. لكن بقاء برنت قريباً من تسعين دولاراً، رغم تراجعه النسبي، يعني أن المتعاملين ما زالوا يسعّرون المخاطر على أساس أن المضيق شبه مغلق وأن التدفقات الاستثنائية لا تشكل عودة إلى الوضع الطبيعيّ. وقد جاء التراجع النسبي في سعر النفط نتيجة إفساح السوق في المجال أمام المسار التفاوضي، بعد دخول قطر على خط الفصل بين تطبيق الاتفاق الإيراني العُماني للممر الملاحي وبين العودة الأميركية إلى مذكرة التفاهم. لم يكن السعر يصدق أن هرمز فُتح، بل كان يراهن على أن التفاوض قد يفتحه. وعندما تحدث ترامب مجدداً عن رفض التفاوض، أحبط هذا الرهان، فعاد النفط ليحاصره ويذكّره بأن الممرّ إلى انخفاض الأسعار يمر بالتفاهم مع إيران، لا بإنكار قدرتها على إغلاق المضيق.

 

الفقاعة الثانية هي الحصار الاقتصاديّ. تتصرف إدارة ترامب كما لو أن التهديد بالعقوبات يكفي لمنع شراء النفط الإيراني، بينما تمثل الصين المشتري الأهم وصاحبة القدرة على تعطيل الحصار. وإذا لم تشارك الصين، فلن يتحوّل القرار الأميركي إلى حصار دولي، بل سيبقى عقوبات أميركية تدفع نحو أنظمة دفع بديلة وناقلات غير غربية وتسويات بالعملات المحليّة. لا حصار لإيران من دون الصين، وترامب لا يملك الصين.

 

الفقاعة الثالثة هي خيار الحرب. فواشنطن تستطيع شنّ الضربات، لكنها لا تستطيع ضمان حماية قواعدها وحلفائها واستمرار الدفاع عن “إسرائيل” في حرب طويلة. لقد استنزفت الحرب كميات كبيرة من صواريخ ثاد وستاندرد وباتريوت، بينما يحتاج تعويضها إلى سنوات. ولا تكفي الطائرات الهجومية لصناعة النصر عندما يستطيع الخصم الردّ بالصواريخ والمسيّرات وتهديد القواعد والموانئ ومنشآت النفط وصولاً إلى استهداف الحاملات والبوارج والمدمرات عندما تبدأ صواريخ الدفاع الجويّ بالنفاد. لا حرب مستدامة من دون باتريوت، وترامب لا يملك المخزون الذي يحتاج إليه.

 

هكذا يطارد ترامب وهم نصر صنعه بنفسه، لكن هذا الوهم يسير أمامه بسرعة يستحيل عليه معها مجاراته والإمساك به. يحتاج إثبات فتح هرمز إلى أرقام كيبلر وبلومبرغ، ولا يملكها. ويحتاج إنجاح الحصار إلى الصين، ولا يملكها. ويحتاج للعودة إلى الحرب إلى مخزون دفاع جوي كافٍ، ولا يملكه.

 

لم يعُد أمام ترامب إلا أن يخرج طوعاً من الفقاعة ويعود إلى التفاوض على أساس الوقائع، أو أن يواصل الإقامة داخلها حتى تنفجر. وعندما تنفجر لن يكون سعر النفط وحده هو الذي يكشف الحقيقة، بل ستكشفها أيضاً الأسواق والحلفاء ومخازن السلاح الفارغة. عندها يكتشف ترامب أن المشكلة لم تكن في عجزه عن إقناع إيران بروايته، بل في أنه صدّق الرواية التي صنعها بنفسه.