Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر August 29, 2026
A A A
اللبناني الذي تعلّم أن يعيش بلا دولة… هل سيتعلّم أن يعيش بلا سيادة؟
الكاتب: المحامي طنوس فرنجيه - موقع المرده

 

 

لطالما تفاخر اللبناني بقدرته الاستثنائية على التكيّف. قدرةٌ صنعت جزءًا من صورته عن نفسه: شعبٌ يواجه الأزمات بالابتكار، ويتعامل مع المستحيل كأنه مجرد ظرف عابر يمكن تجاوزه ببديلٍ ما.

 

تنقطع المياه، فيشتري الصهريج أو يحفر بئرًا.

تنقطع الكهرباء، فيشترك في مولد أو يركّب ألواح الطاقة الشمسية.

تتعطل مؤسسات الدولة، فيلجأ إلى القطاع الخاص.

تنهار الخدمات، فيبتكر اللبناني خدمةً بديلة.

 

شيئًا فشيئًا، لم يعد اللبناني ينتظر الدولة بالقدر الذي كان ينتظرها فيه. تعلّم أن يعيش من دونها، وأن يصنع لنفسه بدائل عن وظائفها، حتى أصبح ما كان يفترض أن يكون استثناءً أو حالة طارئة جزءًا من نظام الحياة الطبيعي.

 

وهنا تكمن المفارقة.

 

فالتكيّف الذي أنقذ اللبناني من عجز الدولة في حياته اليومية، بدأ يتحول إلى أخطر ما يمكن أن يصيب فكرة الدولة نفسها. إذ كلما نجح الفرد في ابتكار بديل عنها، تراجعت حاجته إليها. وكلما تراجعت حاجته إليها، أصبح غيابها أقل إيلامًا، وأكثر قابلية للتطبيع.

 

لكن المشكلة لا تتوقف عند الماء والكهرباء.

 

لقد تسللت ثقافة التكيّف إلى السياسة أيضًا.

 

فاللبناني الذي تعلّم أن يتكيّف مع غياب الدولة في حياته اليومية، بدأ يُطلب منه أن يتكيّف مع غيابها في القضايا التي يفترض أنها جوهر وجودها: الأمن، الحدود، الحرب والسلم، السيادة، وحصرية القرار الوطني.

 

وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:

 

هل نحن أمام شعب شديد القدرة على التحمّل، أم أمام منظومة سياسية اكتشفت أن اللبناني قادر على تحمّل ما لا ينبغي لأي شعب أن يتحمله؟

 

فالتكيّف مع انقطاع الكهرباء قد يكون وسيلة للبقاء.

والتكيّف مع انقطاع المياه قد يكون ضرورة.

لكن التكيّف مع انهيار الدولة يصبح مشكلة.

وحين يتحول إلى التكيّف مع الحرب والقتل والدمار وانتهاك السيادة، يصبح موقفًا سياسيًا، ولو لم يُسمَّ كذلك.

 

في الجنوب تحديدًا، يصبح السؤال أكثر قسوة.

 

ماذا يعني أن يتكيّف اللبناني مع واقع لا يكون فيه قرار الحرب والسلم ملكًا للدولة وحدها؟

ماذا يعني أن يصبح استمرار القتل والدمار أمرًا يُطلب من الناس أن يتعايشوا معه، بدل أن تكون الأولوية لاستعادة الدولة قرارها وسيادتها؟

وماذا يعني أن يتحول وقف النار من حق وطني إلى مجرد «تسوية ممكنة»، وأن تتحول السيادة من مبدأ إلى ورقة تفاوض؟

 

عندها لا يعود التكيّف وسيلة للبقاء.

 

يصبح ثقافة سياسية.

 

ثقافة تقول للبناني: لا تستطيع تغيير الواقع، فتأقلم معه.

 

وهذه أخطر جملة يمكن أن تُقال لشعب.

 

لأن «الأمر الواقع» لا يبقى أمرًا واقعًا إلى الأبد. إنه يصبح، مع الوقت، أمرًا معتادًا. ثم يصبح مقبولًا. ثم يصبح قابلًا للدفاع عنه.

 

وهنا نصل إلى الاحتمال الأكثر خطورة.

 

إذا اعتاد اللبناني أن تكون سيادته منقوصة، وأن تكون حدوده قابلة للاختراق، وأن يكون القرار الأمني والعسكري موزعًا بين أكثر من مرجعية، فهل يبقى مستغربًا أن يُطلب منه غدًا أن يتكيّف مع وجود قوة عسكرية أجنبية على أرضه؟

 

إن مجرد تداول احتمال دخول القوات السورية إلى لبنان، حتى في إطار الفرضيات أو المخاوف السياسية، يجب ألا يُقرأ فقط من زاوية الموقف من سوريا.

 

بل من زاوية أخطر:

 

هل أصبح اللبناني مستعدًا لتقبّل أي أمر واقع إذا قُدّم له باعتباره الحل الممكن؟

 

لقد عرف لبنان تاريخيًا كيف يتحول «المؤقت» إلى دائم، وكيف يمكن للضرورات الأمنية أن تتحول إلى مبررات سياسية، وكيف يمكن للوجود العسكري الأجنبي أن يبدأ بعنوان، ثم يتحول إلى نفوذ، ثم إلى وصاية.

 

والعبرة هنا ليست في مقارنة الظروف أو الأشخاص أو الأنظمة.

 

العبرة في المبدأ:

 

السيادة لا تتجزأ، ولا تُستعار، ولا تُعلّق إلى حين انتهاء الأزمة.

 

لا يجوز أن يكون البديل عن الدولة قوة مسلحة خارج مؤسساتها.

ولا أن يكون البديل عن الجيش قوة أخرى.

ولا أن يكون البديل عن السيادة تفاهمًا إقليميًا.

ولا أن يكون البديل عن وقف النار التعايش مع الحرب.

ولا أن يكون البديل عن حماية الجنوب تحويل أهله إلى رهائن لمعادلات المنطقة.

 

ولا يجوز، تحت أي عنوان، أن يصبح دخول أي جيش أجنبي إلى لبنان «حلًا» لمشكلة صنعها أصلًا ضعف الدولة.

 

الدولة لا تستعيد سيادتها باستبدال وصاية بوصاية، ولا باستبدال قوة خارجية بأخرى.

 

والمفارقة أن اللبناني الذي استطاع أن يصمد أمام انقطاع الماء والكهرباء وانهيار العملة والمصارف، قد يكون هو نفسه الذي يُستخدم صموده ضده.

 

لقد تعلّم اللبناني أن يتحمل.

 

لكن السياسي تعلّم، في المقابل، أن اللبناني يتحمل.

 

وهنا الخطر.

 

فكلما ازداد استعداد اللبناني للتكيّف، ازداد استعداد السلطة السياسية لطلب المزيد من التكيّف منه.

 

حتى يصل الأمر إلى اللحظة التي يصبح فيها المطلوب ليس أن يتكيّف مع غياب الكهرباء، بل مع غياب الدولة.

 

ليس أن يتكيّف مع انهيار الاقتصاد، بل مع انهيار السيادة.

 

ليس أن يتكيّف مع الحرب، بل مع فكرة أن الحرب قدر لا يمكن تغييره.

 

وليس أن يرفض عودة أي وصاية أو وجود عسكري أجنبي، بل أن يسأل: «ماذا نفعل؟ هذه هي الظروف».

 

وهنا تحديدًا يصبح التكيّف أخطر من الأزمة نفسها.

 

لأن الأزمة قد تنتهي.

 

أما المواطن الذي يتعلم أن يتعايش مع غياب الدولة، فقد لا يعود يرى ضرورة لوجودها.

 

وهذا هو المشروع الأخطر: أن يصبح اللبناني قادرًا على الحياة من دون الدولة، ثم قادرًا على السياسة من دونها، ثم قادرًا على قبول ما يناقض سيادتها بحجة الواقعية.

 

لذلك، المطلوب اليوم ليس المزيد من الـ Adaptation.

 

المطلوب أن نستعيد القدرة على الرفض.

 

أن نقول إن الماء والكهرباء حقان، لا خدمات بديلة.

وأن الأمن وظيفة الدولة، لا خدمة خاصة.

وأن قرار الحرب والسلم قرار وطني لا يُستعار.

وأن الجنوب جزء من السيادة اللبنانية، لا مساحة لتجارب الآخرين.

وأن أي قوة أجنبية، مهما كان اسمها أو مبررها أو الجهة التي تستدعيها، لا تصبح شرعية لمجرد أن اللبناني تعب من انتظار دولته.

 

فاللبناني الذي تكيّف طويلًا مع غياب الدولة، يجب ألا يُطلب منه أن يتكيّف يومًا مع غياب لبنان.

 

لأن هناك فرقًا بين أن تتكيّف لكي تبقى حيًا…

 

وبين أن تتكيّف حتى تفقد المعنى الذي من أجله يجب أن تبقى الدولة حيّة.