Beirut weather 34 ° C
تاريخ النشر August 12, 2026
A A A
رهان هرمز ورهان ترامب
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

 

– ماذا حدث خلال أسبوع؟ هذا هو السؤال الذي يسمح بقياس رهان إيران على إبقاء مضيق هرمز مقفلاً، ورهان دونالد ترامب على سقوط إيران اقتصادياً. لا تكفي التصريحات للحكم على السباق؛ المطلوب البحث عما استجدّ فعلاً في عناصر كل رهان، والتمييز بين عوامل أثبتتها الأرقام وعوامل قديمة استُدعيت لتبرير التراجع عن الحرب والإيحاء باستمرار القوة الأميركية.

 

– تعاني إيران أزمة اقتصادية مزمنة عمرها من عمر الجمهورية الإسلامية. عرفت خلال العقود الماضية موجات متعاقبة من التضخم، وانخفاض العملة، والعقوبات، ونقص العملات الأجنبيّة، وارتفاع أسعار الغذاء والسكن. اشتدت هذه الأزمات أحياناً وتراجعت أحياناً أخرى، لكنها لم تظهر خلال الأسبوع الأخير، ولم تكن اكتشافاً جديداً لترامب. ولو كانت الأزمة الاقتصادية وحدها كافية لإخضاع إيران، لما احتاجت واشنطن إلى الحرب أصلاً، ولا إلى إنفاق الذخائر وإرسال القوات ومحاولة تعطيل صادرات النفط.

 

– لا يتعلق السؤال بوجود أزمة في إيران، بل بما إذا كان قد وقع خلال أسبوع ما يثبت انتقالها من أزمة مزمنة إلى انهيار وشيك. بينما لم تتوقف الدولة الإيرانية عن دفع الرواتب، كما قال ترامب، ولم ينفجر تمرد اجتماعي أو عسكري، ولم تظهر علامات سقوط مؤسسات الدولة. كما لم يبلغ التضخم العام 300 في المئة، وفق الرقم الذي استخدمه ترامب. تقترب نسبة التضخم السنوي من 80 إلى 90 في المئة، وتتجاوز في الغذاء 120 في المئة، وهي أرقام شديدة القسوة، لكنها ليست جديدة نوعياً ولا تثبت أن إيران ستسقط خلال أيام.

 

– الحكومة رفعت لاحقاً الحد الأدنى للأجر من نحو 103 ملايين إلى 166 مليون ريال شهرياً، أي قرابة 60%، وأقرت زيادات تصاعدية لموظفي الدولة تراوحت بين 30% و43%، وحصل أصحاب الرواتب الأدنى على الزيادة الأعلى. كما دُفعت علاوات حرب للعسكريين والعاملين في الخطوط الأمامية، عادلت 60$ شهرياً وجرى تقديم موعد صرف بعض الرواتب. وقد وسعت الحكومة نظام البطاقة التموينية الإلكترونية «كالابرغ»، الذي يمنح المواطنين رصيداً شهرياً لشراء إحدى عشرة سلعة أساسية، بينها الأرز والزيت والحليب والجبن والبيض والدجاج واللحوم. وأضيف السمك والروبيان واللحم إلى بعض السلال المدعومة خلال الحرب.

 

– أما النفط، وهو مورد العملات الصعبة الأهم، فقد تلقى ضربة كبيرة بفعل الحصار الأميركي. لكن إيران دخلت مرحلة الحصار المتجدد بعدما باعت خلال نافذة وقف النار والتفاهم المؤقت قرابة 80 مليون برميل من النفط والمشتقات والبتروكيماويات، حملتها 66 ناقلة غادرت خليج عُمان منذ منتصف حزيران، بقيمة قدّرت بأكثر من ستة مليارات دولار. وقد لا تدخل كل هذه الأموال فوراً إلى الخزينة بسبب الخصومات والحسابات المقيدة، لكنها وفرت سيولة واحتياطاً يسمحان بإطالة زمن الصمود. وتحتفظ إيران بمنافذ دخل لا تمر بهرمز؛ فهي تصدر الغاز إلى تركيا بموجب عقد اسمي يبلغ 9.6 مليارات متر مكعب سنوياً، وتبيع الغاز إلى العراق لتشغيل محطات الكهرباء. وتضاف إلى ذلك التجارة البرية مع أفغانستان وباكستان وآسيا الوسطى، ورسوم المقايضة مع أذربيجان، وصادرات الكهرباء المحدودة إلى باكستان.

 

– لم يضف ترامب عنصراً جديداً إلى المشهد الإيراني. استدعى الأزمة القديمة بعد التراجع عن تهديده بحملة لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية، وحوّلها إلى بديل من الحسم العسكري. فبدلاً من القول إن الحرب ستجبر إيران على التراجع، صار يقول إن التضخم وانهيار العملة وعدم دفع رواتب الجنود سيفعل ذلك. لم يكن هذا الانتقال نتيجة تطور وقع في إيران، بل محاولة لملء الفراغ الذي خلّفه العجز عن مواصلة التصعيد، وتقديم التراجع بوصفه انتظاراً لانتصار سيتحقق من تلقاء نفسه.

 

– في المقابل، طرأت خلال الأسبوع تطورات قابلة للقياس في عناصر الرهان الإيراني. أظهرت بيانات «كبلر» عبور 15 سفينة سلعية يوم الجمعة، و11 السبت، وست فقط يوم الأحد، أي 32 سفينة خلال ثلاثة أيام. وبلغ عدد السفن العابرة بين الاثنين والخميس 33، في مقابل 50 سفينة خلال الأيام الأربعة نفسها من الأسبوع السابق. ولم يخرج خلال تلك الأيام سوى ست ناقلات نفط خام. وهذا يعني أن حركة المضيق بقيت متراجعة ومتقلبة، ولم تعد إلى مستوياتها الطبيعية وبقيت تراوح بين مليون ومليوني برميل يومياً. وفي مواجهة هذه الأرقام، قال وزير الطاقة الأميركي إن 20 مليون برميل عبرت مضيق هرمز يوم الأحد. لكن «كبلر» رصدت في ذلك اليوم ست سفن سلعية فقط في الاتجاهين، وقد جاء جواب السوق أوضح من التصريحات. فارتفع خام برنت بنحو 13 في المئة خلال أسبوع، واقترب من 90 دولاراً للبرميل، ولو صدّقت السوق أن هرمز عاد إلى ضخ عشرين مليون برميل في يوم واحد، لتراجعت علاوة المخاطر وانخفض السعر. لكن ارتفاع النفط كشف أن المتعاملين اعتمدوا حركة السفن الفعلية ومخاطر الشحن والتأمين، لا الرواية السياسية الأميركية.

 

– ولم يكن استنزاف الذخائر الأميركية خبراً إيرانياً. فقد طلب البنتاغون من شركات السلاح تقديم خطط عاجلة لتسريع الإنتاج، فيما أشارت تقديرات أميركية إلى انخفاض مخزون صواريخ «باتريوت» بنحو 65 في المئة، ومخزون «ثاد» بنحو 38 في المئة منذ بداية الحرب. وأقر ترامب بأن بعض أنواع السلاح بدأت تنخفض، بينما قد تحتاج إعادة بناء مخزونات هذه الذخائر الرئيسية إلى سنوات. وهذه وقائع طرأت بفعل الحرب، وليست أزمات قديمة جرى استخراجها من الأرشيف.

 

– وينطبق الأمر نفسه على الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي، الذي هبط إلى 298.7 مليون برميل، متجاوزاً نزولاً خط 300 مليون للمرة الأولى منذ عام 1983. يعني ذلك أن استخدام المخزون لتهدئة الأسعار لم يعد خياراً مفتوحاً بلا حدود، وأن استمرار اضطراب هرمز يضع واشنطن أمام الاختيار بين قبول ارتفاع النفط أو استنزاف احتياطي بلغ أصلاً مستوى شديد الانخفاض.

 

– أما الأسواق، فقد قدمت مؤشراً إضافياً إلى حجم الهشاشة. هبطت ثروة إيلون ماسك من ذروة تاريخية قاربت 1.45 تريليون دولار في 16 حزيران إلى أقل من 700 مليار دولار في نهاية تموز. وقدّرتها «فوربس» بنحو 695.7 مليار دولار في 27 تموز، فيما وضعتها تقديرات أخرى بين 684 و694 ملياراً مطلع آب. وبذلك قاربت خسارته الورقية 750 مليار دولار خلال أسابيع، بالتزامن مع هبوط سهم «سبيس إكس» بنحو 50 في المئة من ذروته وتراجع أصول أخرى.

 

– لا تعني هذه الأرقام أن هرمز كان السبب الوحيد في خسائر ماسك، لكنها تكشف سوقاً لا تتحمل بسهولة صدمة نفطية مفتوحة. لكن إقفال مضيق هرمز يعني سعر النفط، وارتفاع النفط يعني تضخماً أعلى، والتضخم يعني فائدة مرتفعة وضغطاً إضافياً على أسهم التكنولوجيا والشركات ذات التقييمات الضخمة. وعندما اجتمع هذا الخطر مع استنزاف الذخائر وهبوط الاحتياطي النفطي، أصبحت مواصلة الحرب تهديداً بانتقال الانفجار من أسعار الطاقة إلى الأسهم والاقتصاد الأميركي كله.

 

– خلال أسبوع، لم يظهر في إيران عنصر جديد يثبت صحة رهان الانهيار. وفي المقابل، ظهر الكثير من الأرقام الجديدة في النفط والناقلات والذخائر والاحتياطي والأسواق تثبت ارتفاع كلفة الرهان العسكري الأميركي. من هنا جاء الحديث عن التضخم الإيراني وعدم دفع الرواتب رواية بديلة لتغطية الفشل في مواصلة الحرب.

 

– يراهن ترامب الآن على أزمة قديمة كي تبرر تراجعه الجديد، بينما تراهن إيران على عوامل تتحرك يومياً ويمكن قياسها. لا تحتاج طهران إلى إسقاط الاقتصاد الأميركي؛ يكفيها أن تجعل كلفة إبقاء الحرب وفتح هرمز بالقوة أعلى من كلفة التسوية. وهذه، حتى الآن، هي الحقيقة التي تقولها الأرقام، مهما حاولت التصريحات الأميركية صناعة صورة مختلفة.