Beirut weather 34 ° C
تاريخ النشر August 12, 2026
A A A
افتتاحية “الجمهورية”: لبنان يناور تفاوضيا ولا يملك ترف الانكفاء…
الكاتب: الجمهورية

على وقع الجلسة التشريعية الصاخبة حول قوانين العفو العام والإعلام وإلغاء عقوبة الإعدام التي لم تكتمل فصولاً، والتي ستتواصل اليوم، ظلّ الاهتمام منصّباً على ملف المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية ذات الرعاية الأميركية، في محاولة لإخراجها من دائرة التعطيل الإسرائيلية. وتتّجه الأنظار إلى رئيس لجنة مراقبة تنفيذ الاتفاق، الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، الذي يزور لبنان اليوم، حيث يُنظر إلى زيارته ولقاءاته المرتقبة مع رئيس الجمهورية العماد جوزف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، على أنّها محاولة أميركية لانتشال المفاوضات من تعثرها، وإجبار إسرائيل على التراجع عن تصلّبها، ما يسمح بتحديد موعد الجولة المقبلة من المفاوضات.

 

مناورة لبنان

 

وترى مصادر ديبلوماسية، أنّ لبنان الرسمي يحاول المناورة بتجميد مشاركته في المفاوضات مع إسرائيل، تعبيراً عن انسداد الأفق والإحباط مما يجري في الجنوب. إلّا أنّ طاولة المفاوضات تبقى في الواقع خياره الإجباري والوحيد لمنع الذهاب نحو الانفجار. ففيما لوّح الوفد اللبناني المفاوض برئاسة السفير السابق سيمون كرم بتجميد التفاوض، إلى حدّ توارد معلومات عن استقالة رفضها رئيس الجمهورية، احتجاجاً على رفض إسرائيل وقف العدوان واشتراطها تفتيش 40% من بيوت جنوب الليطاني وتشكيكها بجهود الجيش، جاء موقف الرئيس عون ليعيد رسم السقف السياسي بوضوح. فقد أكّد صراحة أنّ «المفاوضات تحقق تقدّماً، وتظلّ في كل الأحوال أفضل من نتائج الحرب المدمّرة علينا»، مراهناً على أنّ صيغة الإطار كفلت خفض حدّة الاعتداءات. وهذا الخيار يوضح أنّ تلويح لبنان بالتعطيل هو تكتيك لرفع السقف وتحسين شروط العودة، وليس قراراً فعلياً بالانكفاء.

 

ولذلك، تتّجه الأنظار إلى رئيس لجنة مراقبة تنفيذ الاتفاق، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، الذي يصل اليوم إلى بيروت. ويُنظر إلى زيارته ولقاءاته المرتقبة مع عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، كمحاولة أميركية جادة لرأب الصدع. وثمة رهان، وإن لم يكن واسعاً، على أن تكون زيارة كليرفيلد رافعة تنتشل المفاوضات من تعثرها وتجبر إسرائيل على التراجع عن تصلّبها، ما يسمح بتحديد موعد الجولة المقبلة تحت مظلة الرعاية الأميركية.

 

تحقق تقدّماً

 

وقال الرئيس عون لوفد «المؤسسة المارونية للانتشار» برئاسة السيدة روز شويري الذي زاره أمس، إنّ «المفاوضات تحقق تقدّماً، وتظل في كل الأحوال أفضل من نتائج الحرب المدمّرة علينا. وقد انحصر حجم الاعتداءات الإسرائيلية على بلدنا بعد توقيع صيغة الإطار، مما انعكس إيجاباً على عودة اللبنانيين لتمضية الصيف في وطنهم». وأضاف: «التفاوض ليس استسلاماً ولا تنازلاً، بل هو استكمال لتحقيق أهدافنا بتحرير الأرض عبر الوسائل السلمية، وليس بلغة الحرب. ليس هناك خلاف بين اللبنانيين على الأهداف، من الانسحاب الإسرائيلي وعودة الأسرى، وإعادة إعمار ما تهدّم. في النهاية لن نسمح لإسرائيل بأن تبقى ولو على شبر واحد من أرضنا، ولا لجندي واحد من جنودها بالبقاء عليها».

 

وسأل الرئيس عون: «من أجل مَن يستشهد شبابنا اليوم؟ وخدمة لأي قضية؟ لسنا مستعدين بعد لأن نضحّي بحياة شبابنا من أجل حرب ليست حربنا في الأساس». ولفت إلى «أننا نسمع دائماً شعارات تقول إنّ ما أُخذ بالقوة لن يُسترد إلّا بالقوة، لكن الحقائق على الأرض أثبتت بطلان هذه المقولة. ولنا في ما جرى في سيناء خير مثال، فهي لم تُسترد الّا من خلال المفاوضات». وأضاف: «لو كانوا قادرين على استرداد الأرض بالقوة، لكنت أول من وقف إلى جانبهم، ولكن عليهم أن يقفوا الآن إلى جانبنا في محاولة استرداد أرضنا عبر التفاوض. وهناك أكثرية لبنانية عابرة للطوائف مع هذا الخيار. لقد حان الوقت لابن الجنوب أن يرتاح، ويستقر في أرضه، بدل أن تتواصل الحروب التي تُدار باسمه لأهداف غير لبنانية».

 

ترامب يحب لبنان

 

في غضون ذلك، قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«سكاي نيوز»، إنّ «حزب الله» يحاول عرقلة المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل، مشيراً إلى»أنّ البلدين يمرّان في الوقت نفسه في ظروف ديموقراطية تتسمّ بوجود ضغوط سياسية داخلية». وأكّد أنّ المسار التفاوضي اللبناني ـ الإسرائيلي سيُستأنف في العاصمة الإيطالية روما مطلع شهر أيلول، على أن تتواصل الاتصالات والمحادثات خلال الفترة الفاصلة عن الجولة المقبلة، عبر لقاءات تُعقد في كل من بيروت والقدس وواشنطن». وأضاف: «أنّ استمرار التواصل بين الأطراف في هذه المرحلة يهدف إلى الحفاظ على المسار التفاوضي إلى حين استئناف الاجتماعات في روما».

 

وإلى ذلك، قال السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بعد زيارته بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي في البلمند أمس، إنّ «المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية تحصل كل أسبوعين أو ثلاثة، وتتقدّم بمقدار كبير، وتقدّم حلاً جديداً في كل جولة»، وقال: «انا متفائل أنّها ستساعد على حلحلة الأمور في لبنان والمنطقة». وأكّد أنّ «الرئيس الأميركي دونالد ترامب يحب لبنان ويهمّه تحقيق السلام في لبنان».

 

جلسة صاخبة

 

تشريعياً، رفع رئيس مجلس النواب نبيه بري الجولة الثانية المسائية من الجلسة التشريعية الصاخبة التي انعقدت أمس، إلى الساعة 11 قبل ظهر اليوم، بعد فقدان نصاب الجلسة عند الشروع في درس مشروع قانون العفو العام.

 

وبعد فقدان النصاب بقي بري داخل القاعة محاولًا استكمال الجلسة، وقال: «أنا مستعد انتظر ربع ساعة إذا منقدر نطلب من الوزير منسى يجي».

 

وردّ رئيس الحكومة نواف سلام: «أعمل معروف دولة الرئيس، نحن لا نتدخّل في عمل مجلس النواب، أطلب ان لا يتدخّل أحد بعمل مجلس الوزراء، ولا يتطاول أحد على صلاحياته. وأنا قلت إنني أنا من يتحدث باسم الحكومة».

 

وكان سلام منع وزير الدفاع ميشال منسى خلال الجلسة النهارية من إلقاء كلمة يعبّر فيها عن موقف الجيش من قانون العفو العام، وحصل سجال بينهما، انسحب خلاله منسى من الجلسة، ثم غاب عن الجلسة المسائية.

 

سلام

 

وكان سلام ردّ خلال الجلسة على الجدل الذي أُثير بشأن منسى وغيابه عنها، فنفى أن يكون قد طلب منه عدم الحضور، ومؤكّداً أنّ الدستور ينص على أنّ رئيس الحكومة يمثلها ويتحدث باسمها. وقال سلام، إنّ منسى كان قد أعدّ كلمة بشأن اقتراح قانون العفو، موضحاً: «أبلغت إلى معاليه أنني سأتكلم باسم الحكومة عند طرح هذا البند، فلا يكون من داعٍ لأي كلام آخر»، مستنداً إلى المادة 64 من الدستور التي تنص على أنّ «رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة يمثلها ويتكلم باسمها».

 

ونفى سلام أن يكون قد طلب من وزير الدفاع عدم حضور الجلسة النيابية، واصفاً هذا الإدّعاء بأنّه «افتراء باطل»، ومؤكّداً أنّ منسى «صديق عزيز، له مني كل المودة والاحترام»، وأنّ كليهما يعمل وفق قاعدة التضامن الوزاري ويحرص على الدستور، مضيفاً: «نحن مش 24 حكومة». وختم سلام بتحديد موقف الحكومة من اقتراح قانون العفو بالقول: «العدالة، فالعدالة، فالعدالة»، مؤكّداً أنّ «الكلمة الفصل» تبقى لمجلس النواب.

 

باسيل

 

ومن جهته، أكَّد رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل الإعتراض على منع منسى من الكلام. ولفت إلى المادة 67 في الدستور التي تقول إنَّ الوزراء «يجب أن يُسمَعوا عندما يطلبون الكلام، ولهم أن يستعينوا بمن يرون من عمال إداراتهم».

 

واضاف أنّ النظام الداخلي لمجلس النواب في المواد 124 و131 و132 واضحة في موضوع صلاحيات الوزير. وأوضح أنّ الوزير ليس بحاجة لشرح صلاحياته الدستورية، فهو سلطة دستورية قائمة في حدّ ذاتها، ورئيس الحكومة يتحدث باسمها لكنه لا يستطيع أن يختزلها، وإلّا فلا لزوم للوزراء والمجلس أن يشاركوا في الجلسات، مؤكّداً انّ هذا الأمر يمسّ بمبدأ التشريع والمساءلة».

 

وتوجّه باسيل إلى الرئيس بري بالقول: «أنت تعطي الإذن بالكلام للجميع ولرئيس الحكومة، وإذا طلبت من أحد الوزراء أن يجيب فهل يحق لرئيس الحكومة أن يطلب منه عدم الإجابة؟». وختم: «هذا الأمر لا يمرّ معنا. لوزير الدفاع أن يقدّم رأيه ولرئيس الحكومة والمجلس ألّا يأخذا برأيه ويصوت كما يريد».

 

قانون الإعلام

 

وإلى ذلك، حسم مجلس النواب ملف قانون الإعلام بعد نقاشات شهدتها الهيئة العامة حول عدد من مواده وآلية تشكيل الهيئة الوطنية للإعلام، فأقرّ القانون بالصيغة الواردة من اللجان النيابية ومن دون إدخال تعديلات عليه خلال الهيئة العامة، فيما بقيت المادة 104 المتعلقة بالملاحقة الجزائية على خلفية نشر أخبار كاذبة ضمن النص، ما دفع وزير الإعلام بول مرقص إلى تسجيل اعتراضه والتعهد بالتحرك لتعديلها لاحقاً.

 

وعقب إقرار القانون، أكّد مرقص أنّ «الفرحة لن تكتمل بقانون الإعلام قبل تعديل الفقرتين ب وج من المادة 104»، معلناً أنّ الوزارة ستتقدّم بمشروع قانون لإجراء التعديل المطلوب.

 

ودعت نقابتا الصحافة والمحررين الصحافيين إلى مؤتمر صحافي مشترك تعقدانه في مقر نقابة الصحافة الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم وذلك «رفضاً للقانون وإقرار خطة تحرك لمواجهته، دفاعاً عن حرّية الإعلام والإعلاميين وصوناً لوحدة الجسم الإعلامي».

 

هفوات نيابية

 

في السياق، أكّد خبير قانوني لـ«الجمهورية»، أنّ مقاربة ملف العفو العام كشفت عن هفوات تشريعية لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرّد تفاصيل تقنية، إذ إنّ التباين لم يكن محصوراً في مبدأ العفو بحدّ ذاته، بل طاول آليات تطبيقه والضمانات القانونية والأمنية المرافقة له، ولا سيما في ما يتعلّق بالمحكومين بأحكام مبرمة. ولفت إلى أنّ معالجة الاكتظاظ في السجون لا يمكن أن تتحوَّل ذريعة لإخلاء السجون جماعياً من دون معالجة الأسباب البنيوية للأزمة، معتبراً أنّ أي معالجة جدّية تبدأ ببناء سجون جديدة تتوافر فيها المعايير المطلوبة، وتعزيز برامج الوقاية والتوعية، وترسيخ احترام القانون، بدلاً من اعتماد العفو كحلّ سريع لمشكلة تتكرر دورياً.

 

وأشار الخبير نفسه، إلى أنّ ملف قانون الإعلام المعدّل بدوره، كشف عن ثغرات تشريعية ذات آثار مباشرة على استقلالية الإعلام وتعدديته، موضحاً أنّ الإبقاء على المادة 104 من قانون الإعلام الجديد، بالتوازي مع إلغاء فصل كامل كان ينظّم وسائل الإعلام العامة، يثير مخاوف جدّية من إضعاف الإعلام العام وشلّ قدرته على أداء دوره، في وقت كان المطلوب تعزيز استقلاليته وضمان وظيفته العامة.

 

ولفت الخبير إلى أنّ إعادة فتح باب الملاحقة الجزائية في قضايا النشر من خلال إعادة تجريم «الخبر الكاذب» ضمن مقاربة أكثر تشدّداً، من شأنها أن تخلق مساحة واسعة للاجتهاد والملاحقة، وخصوصاً في ظلّ غياب معايير دقيقة تحدّد بصورة واضحة الفاصل بين الخبر الكاذب والخطأ الصحافي والتقدير المهني.

 

كذلك أشار الخبير إلى أنّ الصيغة المقترحة أغفلت ضمانات أساسية تتصل بعمل الصحافيين، وفي مقدّمها حصر التحقيق معهم في القضايا الجزائية أمام الجهات الأمنية أو القضائية المختصة، فضلاً عن ضرورة منع التوقيف الاحتياطي للصحافيّين في قضايا النشر التي لا تخضع لأحكام القانون الخاص بالإعلام، لأنّ التوقيف في هذه الحالات قد يتحوَّل عملياً وسيلة ضغط على العمل الصحافي.

 

أمّا في ملف إلغاء عقوبة الإعدام، فأكّد الخبير أنّ التجاذب لم يكن متعلقاً بالمبدأ فحسب، بل امتد إلى طريقة تنظيم الانتقال من العقوبة القصوى إلى العقوبات البديلة، خصوصاً لجهة مبدأ عدم رجعية القوانين الجزائية وتحديد القانون الأصلح للمتهم. ويوضح أنّ جوهر الصيغة المتداولة يقوم على استبدال عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبّدة المشدّدة بالنسبة إلى الجرائم التي تُرتكب بعد دخول القانون حيّز التنفيذ، في حين تُستبدل عقوبة الإعدام في الجرائم المرتكبة قبل نفاذه بالعقوبة التي تليها مباشرة، أي الأشغال الشاقة المؤبدة، وفي ذلك فصَّل النواب «قانوناً على قياس القتلة والمتهمين بالإرهاب لتسهيل خروجهم من السجن، عند ربط إلغاء قانون الإعدام بقانون العفو العام».