Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر August 10, 2026
A A A
«أمان» بالدّين: 746 مليون دولار والفقر باقٍ ويتمدد

كتبت زينب بزي 

منذ عام 2021، يواصل لبنان بناء جزء أساسي من شبكة أمانه الاجتماعي على القروض. قرض بـ246 مليون دولار، ثم 300 مليون، واليوم 200 مليون إضافية قيد النقاش، بما يرفع مجموع القروض المرتبطة ببرنامج «أمان» إلى 746 مليون دولار. المشكلة لم تعد مرتبطة بحاجة الأسر الأكثر فقراً إلى المساعدة رغم أنها حاجة لا جدال فيها، بل في نموذج المساعدة نفسه الذي صار يموّل هذه المساعدة بالدين: الدولة تستدين لتدفع مساعدات محدودة ومؤقتة، فيما يبقى أصل الدين وفوائده على الخزينة لعقود، من دون أن يترافق ذلك حتى الآن مع انتقال واضح إلى تمويل مستدام أو معالجة جدية للأسباب التي تدفع الأسر إلى الحاجة الدائمة للمساعدة.

 

هذه المرة، بدأ الاعتراض من داخل لجنة المال والموازنة نفسها. فالقرض الجديد البالغ 200 مليون دولار لم يمرّ بصيغته كما هو، بعدما أثار توزيع أمواله تساؤلات لدى النواب: 125 مليون دولار خُصصت للتحويلات النقدية المباشرة، فيما تذهب بقية الأموال إلى بنود أخرى تشمل الخدمات والاستشارات والتدريب والنفقات التشغيلية وتمويلاً مرتبطاً بمؤشرات أداء. ومن هنا، طلبت اللجنة إيضاحات تفصيلية من وزارتي الشؤون الاجتماعية والمال، انطلاقاً من سؤال بسيط: ما دامت الدولة ستتحمّل ديناً جديداً، لماذا لا تذهب الحصّة الأكبر منه مباشرة إلى الأسر التي يفترض أن القرض أُخذ لمساعدتها؟

 

لا أمان لقوى السلطة

الاعتراض على توزيع الـ200 مليون دولار ليس سوى مدخل إلى سؤال أكبر. فبعد أكثر من نصف مليار دولار من القروض السابقة، ومتوسط مساعدة شهرية لا يتجاوز نحو 105 دولارات للأسرة، وتمويل جديد يغطي التحويلات لمدّة عشرة أشهر فقط، يصبح السؤال: هل يبني لبنان نظام حماية اجتماعية فعّالاً، أم أنه يكرّر سياسة الترقيع القائمة على الاقتراض بلا جدوى اجتماعية؟

 

 

بحسب وثيقة القرض، خُصصت 125 مليون دولار للتحويلات النقدية المباشرة، فيما خُصصت 39.5 مليون دولار للسلع والخدمات والاستشارات والتدريب والنفقات التشغيلية، و35 مليون دولار مرتبطة بتحقيق مؤشرات أداء محددة، إضافة إلى رسم أولي بقيمة 500 ألف دولار. ومن هنا، انطلق اعتراض عدد من أعضاء اللجنة. يقول النائب جميل السيد، لـ«الأخبار»: ما دامت الدولة ستستدين 200 مليون دولار، فمن المنطقي أن يذهب أكبر جزء ممكن من هذه الأموال مباشرة إلى الأسر المحتاجة، لا أن يُستهلك قسم كبير منها في بنود تشغيلية أو إدارية، مهما كانت مبرراتها.

 

ما دمنا سنستدين 200 مليون دولار فمن المنطقي أن يذهب أكبر جزء ممكن من هذه الأموال مباشرة إلى الأسر المحتاجة

 

لذلك، طُلب من وزارة الشؤون الاجتماعية تقديم شرح تفصيلي يبيّن مكونات هذه البنود، وكيفية توزيع الأموال على المحافظات، وعدد المستفيدين الفعليين، وحجم الإنفاق التشغيلي. ويرى السيد أن تخصيص 40% من القرض لبنود غير التحويلات النقدية المباشرة يحتاج إلى تبرير واضح، لا سيما أن لدى الدولة قاعدة بيانات بالمستفيدين وبنية إدارية قائمة يمكن الانطلاق منها. ويشير، على سبيل المثال، إلى أن الظروف الحالية في الجنوب لا تستدعي، في رأيه، استحداث مراكز جديدة لوزارة الشؤون في هذه المرحلة، داعياً إلى إعطاء الأولوية لتعظيم الحصة التي تصل مباشرة إلى الأسر ومن بينهم النازحين الذين يحتاجون الدعم أكثر من أي وقت مضى.

 

لكن الجدل الذي بدأ داخل اللجنة يتجاوز القرض الجديد نفسه. فمنذ إطلاق برنامج «أمان»، اعتمد لبنان بصورة متكررة على الاقتراض لتمويل المساعدات الاجتماعية. ففي عام 2021، حصل على قرض أول من البنك الدولي بقيمة 246 مليون دولار لإطلاق البرنامج، ثم أُقر عام 2023 قرض إضافي بقيمة 300 مليون دولار لاستكماله وتوسيعه. واليوم، يناقش لبنان قرضاً ثالثاً بقيمة 200 مليون دولار لمشروع «تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي وبناء الأنظمة»، الذي يستكمل تقديم التحويلات النقدية ويعزز البنية الإدارية التي يقوم عليها البرنامج. وبذلك، يرتفع مجموع القروض المرتبطة ببرنامج «أمان» وشبكة الأمان الاجتماعي إلى 746 مليون دولار، فيما بدأ لبنان بالفعل تسديد أصل القرض الأول، على أن يبدأ سداد القرض الثاني عام 2028، والثالث، إذا أُقر، عام 2031، لتستمر أقساطه حتى عام 2043، إضافة إلى الفوائد والرسوم.

 

نعمة: نموذج فاشل

يرى الخبير والمستشار في التنمية والسياسات الاجتماعية ومكافحة الفقر أديب نعمة أن المشكلة لا تكمن فقط في توزيع القرض الجديد، بل في النموذج الذي يقوم عليه تمويل الحماية الاجتماعية. ويقول إن بناء أنظمة الحماية الاجتماعية على القروض لا يمكن أن يشكل سياسة دائمة، بل قد يكون مبرراً فقط في ظروف استثنائية ولمدة محدودة. وفي رأيه، يفترض أن تُمول الحماية الاجتماعية من موارد الدولة المستدامة، ولا سيما من خلال نظام ضريبي أكثر عدالة يعتمد الضرائب التصاعدية، لا من خلال الاستمرار في الاستدانة أو زيادة الاعتماد على الضرائب غير المباشرة.

 

ويشير نعمة إلى أن التحويلات النقدية، مهما بلغت أهميتها، لا تشكل بحدّ ذاتها نظام حماية اجتماعية، بل هي إحدى أدوات المساعدة الاجتماعية. أما الحماية الاجتماعية الحقيقية، فتقوم على منظومة تشمل الضمان الاجتماعي، والتقاعد، والتأمينات الاجتماعية، والحماية أثناء العمل وبعده، إلى جانب خدمات عامة فعالة في الصحة والتعليم والنقل والكهرباء والمياه. ويذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن المشكلة تكمن أيضاً في طبيعة استخدام القروض.

 

فالدول، بحسب قوله، لا تستدين عادة لتمويل إنفاق استهلاكي، بل لتمويل استثمارات تخلق قيمة اقتصادية أو تحل مشكلات مزمنة. فإذا استُخدم القرض لتطوير النقل العام أو الكهرباء أو المياه، فإنه يخفف تلقائياً الأعباء المالية عن الأسر، ويقلل حاجتها إلى المساعدات مستقبلاً. ويلفت إلى أن جزءاً كبيراً من هذه المساعدات يُنفق أصلاً لتعويض غياب الخدمات العامة، إذ تستخدمه الأسر لدفع اشتراكات المولدات الخاصة، أو شراء المياه، أو تغطية جزء من كلفة الغذاء والدواء والنقل. وبذلك، تصبح الدولة عملياً تستدين لمساعدة الأسر على تحمّل كلفة خدمات كان يفترض أن تؤمنها هي بصورة أفضل وأقل كلفة.

 

مساعدة محدودة

رغم كبر حجم التمويل بالاقتراض وبلوغه 746 مليون دولار خلال بضع سنوات، إلا أن الأسر الأكثر فقراً لا تحصل إلا على مساعدة محدودة مقارنة بكلفة المعيشة. فوفق آلية برنامج «أمان»، تحصل كل أسرة مستفيدة على 25 دولاراً شهرياً كمبلغ أساسي، يضاف إليه 20 دولاراً عن كل فرد من أفراد الأسرة، على ألا يتجاوز عدد الأفراد المحتسبين ستة، ما يجعل الحد الأقصى للمساعدة 145 دولاراً شهرياً، فيما يبلغ متوسطها نحو 105 دولارات للأسرة. وأثر هذا المبلغ محدود وسط ارتفاع في أكلاف المعيشة، بل لا يكفي لإخراج الأسرة من دائرة الفقر ولو بصورة مؤقتة!

 

وتزداد أهمية هذا السؤال إذا أُخذ في الحسبان أن القرض الجديد، رغم امتداد المشروع على أربع سنوات، يخصّص التحويلات النقدية لنحو 150 ألف أسرة لمدة عشرة أشهر فقط. أي إن السؤال لا يقتصر على كيفية توزيع الـ200 مليون دولار، بل يمتد إلى ما بعد انتهاء فترة التمويل: من سيمول التحويلات بعد الأشهر العشرة؟ وهل ستكون الدولة قد نجحت في تأمين مصدر تمويل محلي ومستدام، أم أنها ستجد نفسها مرة جديدة أمام الحاجة إلى قرض جديد؟

 

40% من مجمل القرض

الممنوح لتمويل «أمان» ينفق خارج إطار بند التحويلات النقدية المباشرة للأسر الأكثر فقراً، وبالتالي فإن التدقيق بالقروض وبالإنفاق والهدف منه ورسم جدوى واضحة لهذه العمليات لا يمكن أن يبقى بمنأى عن أي محاسبة أو مساءلة.