Beirut weather 26.32 ° C
تاريخ النشر June 13, 2026
A A A
رسالة الى القائد الشهيد طوني فرنجيه في ذكرى ١٣ حزيران… ماذا تضمنت؟
الكاتب: حسناء سعادة - موقع المرده

الى القائد الشهيد طوني فرنجيه،

في مثل هذا اليوم من ٤٨ سنة دفعت حياتك مع زوجتك وطفلتك واحباء على مذبح الوطن بمجزرة غادرة من اجل ان يبقى الوطن حراً، موحداً، سيداً ومستقلاً.

اليوم وبعد ٤٨ سنة لو كان بإمكاننا أن نكتب إليك، لقلنا إن الزمن عاد يدور في الحلقة نفسها، وإن الوجع الذي ظننّا أنه صار من ذاكرة الحرب، عاد يقف على أبوابنا بطرق مختلفة.

نكتب إليك من وطن يشبه كثيراً تلك الأيام التي سبقت اغتيالك، يوم كان الانقسام ينهش الناس، ويوم كان الرهان على الخارج يكبر على حساب الإيمان بلبنان.

نكتب إليك لنقول إن التعامل مع إسرائيل، الذي رفضته حتى دفعت حياتك ثمناً لموقفك، لم يعد اليوم أمراً يخجل منه البعض، بل صار يُطرح أحياناً كخيار سياسي أو كممر إلزامي، وكأن الدماء التي سقطت، والكرامة التي دافعت عنها، أصبحت تفصيلاً في دفتر المصالح.

ايها القائد الشهيد

هل كنت تتخيّل أن تعود الأطماع ذاتها؟ أن يبقى الجنوب مطمعاً، وأن تبقى الخرائط مفتوحة على التوغلات المعادية؟ قلت يوماً إن التقسيم لن يمر إلا على أجسادنا، لكن الخوف اليوم أن يقترب أكثر من أي وقت مضى، لا فقط عبر الجغرافيا، بل عبر اقتلاع الناس من أرضهم، وعبر محاولات انتزاع طائفة بأمّها وأبيها من ترابها، وكأن الوطن صار مناطق خوف، لا مساحة انتماء.

يا شهيدنا وشهيد الوطن،

ربما أكثر ما يؤلم أنك قلت يوماً: “الأشخاص زائلون، أمّا لبنان فباق”. عبارة تشبه الوصية. لكننا اليوم نخاف أن نعترف لك بأن لبنان نفسه يبدو متعباً، مهدّداً، يتآكل من داخله. ليس فقط بالحروب والاعتداءات، بل بالكراهية التي كبرت بين أبنائه، بالكلمات التي صارت أشدّ قسوة من الرصاص، وبالقلوب التي ضاقت حتى بات كل فريق يرى الآخر خصماً لا شريكاً في وطن.

نكتب إليك لأننا نحتاج أن نسمع صوتاً من زمن الرجال الذين اختلفوا لكنهم لم يساوموا على فكرة لبنان. نحتاج أن نصدّق أن هذا الوطن، رغم كل شيء، ما زال يستحق أن نبقى هنا، وأن نحميه من السقوط لانه بات على شفير الهاوية.

نم هادئاً يا قائداً فقد اسست باستشهادك مدرسة في الوطنية تديرها اليوم عقول راجحة، مقدامة بثوابت ومبادىء واحترام للاختلاف حد المسامحة والترفع عن الاحقاد والانتقام، لكن سامحنا إن بدا الوطن الذي أحببته متعباً إلى هذا الحد، وإن بدت القضية التي استشهدت من أجلها في مهب الانقسامات من جديد.

ايها الوزير والنائب الشهيد الذي ارتقى مع ٢٨ شهيداً في مجزرة من ابشع المجازر في التاريخ الحديث، انظر من عليائك اليوم الى الجنوب، جنوب لبنان الذي خُطط لمجزرة اهدن من اجل حرف الانظار عن اجتياحه، ها هو اليوم يقاوم العربدة الاسرائيلية وها هنا في الداخل من يتمنى ان تصل الدبابة الاسرائيلية الى عمقه كي يمتطيها ليحقق حلمه برئاسة الجمهورية على حساب اكثر من ثلاثة الاف شهيد والآف الجرحى وعشرات الآلاف من النازحين الصابرين.

ايها القائد الشهيد نعاهدك ان لبنان سيبقى امانة وان حامل اسمك سيبقى على قدر المسؤولية، وان فلذة كبدك الذي نجا من المجزرة بفضل العناية الالهية مستمر في نهج الوطن الذي “دائماً على حق”.

ختاماً نرفع الصلوات غداً بقداس في باحة قصر الرئيس الراحل سليمان فرنجيه عند السادسة والنصف، بجوار البيت الذي ارتقيت به، من اجلك، من اجل السيدة الراقية زوجتك ومن اجل الطفلة ذات السنوات الثلاث جيهان ومن اجل ٢٨ شهيداً سقطوا غدراً، ومن اجل لبنان المجروح كي تلتئم جراحه قريباً.