Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر August 19, 2026
A A A
هل يذهب نتنياهو الى مواجهة مع إيران و«حزب الله» هرباً من انتخابات تشرين؟
الكاتب: حسين زلغوط

كتب حسين زلغوط في “اللواء”:

توحي كل المعطيات المتوافرة بأن المنطقة تقف مجدداً على فوهة بركان، في ظل سباق محموم بين التصعيد والدبلوماسية، حيث أن المؤشرات الميدانية والسياسية تنذر بأن أي حادث أمني كبير يمكن أن يعيد فتح أبواب الحرب على مصراعيها.

ولعل أخطر ما في المشهد الحالي أن التصعيد الإسرائيلي في الجنوب لم يعد مجرد سلسلة من الضربات المتفرقة، بل بات يجري على خلفية سياسية إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها حسابات إسرائيل ولبنان وإيران والولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول، وقد شهد الجنوب في الأيام الأخيرة واحدة من أكثر موجات التصعيد دموية منذ بدء الهدنة، ما أعاد طرح السؤال عن قدرة التفاهمات القائمة على الصمود، إذ لا يمكن في اسرائيل فصل الحساب العسكري عن الحساب السياسي، فبنيامين نتنياهو يدخل المرحلة الانتخابية وهو أمام وضع ليس مريحاً، مع تراجع في حظوظ ائتلافه وانقسامات داخل حزبه وضغوط من اليمين المتشدد الذي يرفض أي تنازل في ملفات غزة ولبنان وإيران، وتزداد صعوبة المشهد مع وجود شريحة واسعة من الناخبين لم تحسم خيارها بعد، الأمر الذي يجعل الأسابيع المقبلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي.

من هنا، تظهر في الكواليس فرضية مفادها أن نتنياهو قد يجد في التصعيد العسكري وسيلة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي. فالتجربة الإسرائيلية تثبت أن أجواء الحرب والأمن القومي كثيراً ما تطغى على الملفات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتدفع الناخب إلى الالتفاف حول القيادة عندما يشعر أن البلاد تواجه خطراً وجودياً.

لكن هذه المعادلة لا تعني بالضرورة أن نتنياهو يريد حرباً شاملة، فالحرب الواسعة تحمل مخاطر هائلة على إسرائيل نفسها، وقد تتحول من ورقة انتخابية إلى مأزق سياسي وعسكري واقتصادي، ولذلك قد يكون السيناريو الأكثر واقعية هو اعتماد سياسة «الحرب تحت السقف» بمعنى ضربات متتالية، اغتيالات، عمليات نوعية، استهداف للبنية العسكرية، ورفع مستوى الضغط، من دون الذهاب فوراً إلى مواجهة مفتوحة يصعب التحكم بنهاياتها.

ويقول مصدر متابع لمسار التطورات في المنطقة أن لبنان الحلقة الأكثر هشاشة، فإسرائيل تربط الانسحاب من الجنوب بملف سلاح «حزب الله»، فيما يرفض الحزب البحث في مسألة السلاح قبل انسحاب إسرائيل، الأمر الذي خلق حلقة مفرغة يمكن لأي حادث أن يفجرها. وفي المقابل، تحاول واشنطن الحفاظ على الإطار التفاوضي ومنع الانزلاق إلى حرب جديدة، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على إسرائيل للالتزام بالتفاهمات المتعلقة بلبنان.

أما إيران، فتبدو بدورها أمام مرحلة بالغة الخطورة، فالمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية وصلت إلى طريق مسدود، فيما عادت لغة التصعيد والتهديد إلى الواجهة، الأمر الذي يجعل احتمال تجدد المواجهة الإيرانية ـ الأميركية أو الإسرائيلية ـ الإيرانية قائماً. وإذا اندلعت حرب جديدة مع إيران، سيكون من الصعب تصور بقاء الجبهة اللبنانية خارج تداعياتها، خصوصاً إذا قررت إسرائيل توسيع دائرة المواجهة أو إذا دخلت الأطراف الحليفة لطهران على خط الصراع.

وهنا تحديداً في رأي المصدر تكمن أهمية الموقف الأميركي. فواشنطن لا تبدو راغبة في حرب واسعة جديدة في لبنان، كما أن لديها حساباتها الخاصة مع إيران وإسرائيل، ولا تريد أن يتحول الشرق الأوسط إلى حرب إقليمية مفتوحة يصعب احتواؤها. لكن المشكلة أن قدرة الولايات المتحدة على ضبط حلفائها ليست مطلقة، كما أن نتنياهو أثبت في أكثر من محطة أنه قادر على المناورة والاختلاف مع الإدارة الأميركية عندما يرى أن مصالحه السياسية والأمنية تقتضي ذلك، وقد ظهر هذا التباين بوضوح في ملفات غزة ولبنان، حيث رفض نتنياهو أخيراً الخطة الأميركية الخاصة بغزة رغم الضغوط التي تمارسها واشنطن.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الحرب ستندلع، بل ما إذا كان الجميع سيتمكن من منعها عندما تبدأ الشرارة الأولى، فالمنطقة اليوم مليئة بخطوط تماس قابلة للاشتعال، من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران، وأي عملية كبيرة قد تخلق سلسلة من الردود والردود المضادة تتجاوز قدرة الوسطاء على احتوائها.

لبنانياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فالدولة تريد تثبيت الاستقرار، والجيش يحاول تكريس حضوره، والحكومة تسعى إلى استكمال المسار السياسي والتفاوضي، لكن استمرار الضربات الإسرائيلية والاحتفاظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية يبقيان عنصرين أساسيين في معادلة القلق، وكلما طال أمد هذه الوضعية، ازدادت احتمالات الانفجار، لأن الهدوء الذي لا يستند إلى تسوية واضحة يبقى هدنة مؤقتة لا أكثر.

ومع اقتراب أيلول، يصبح الوقت أكثر حساسية. فكل طرف يريد الوصول إلى تشرين وهو في موقع أفضل: إسرائيل تريد فرض وقائع أمنية على الأرض، ونتنياهو يريد تحسين موقعه الانتخابي، إيران تريد استعادة زمام المبادرة، وواشنطن تريد منع انفجار شامل، فيما يسعى لبنان إلى حماية ما تبقى من الاستقرار ومنع تحويل أراضيه مجدداً إلى ساحة مواجهة إقليمية.

والسؤال هل سيكون أيلول طرفه مبلولاً بالحرب؟

لا أحد يستطيع الجزم بذلك، لكن المؤكد أن الطريق إلى الحرب أصبح أقصر من الطريق إلى التسوية. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن الحرب حتمية. فما زالت هناك مساحة للدبلوماسية، وربما تكون هي الفرصة الأخيرة لمنع الانفجار، شرط أن تنتقل الاتصالات من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها.

فأيلول، لن يكون شهراً عادياً. سيكون اختباراً حقيقياً لقدرة الدبلوماسية على اللحاق بالميدان، ولقدرة واشنطن على ضبط إسرائيل، ولقدرة إسرائيل على الفصل بين حساباتها الأمنية وحساباتها الانتخابية، ولقدرة لبنان على البقاء خارج لعبة المحاور. وبين كل هذه الحسابات، يبقى اللبناني هو الذي يدفع الثمن الأكبر إذا أخفقت الدبلوماسية مرة أخرى في إطفاء النار قبل أن تتحول الشرارة إلى حريق إقليمي شامل.