Beirut weather 22.99 ° C
تاريخ النشر May 15, 2026
A A A
حرب العصابات الجوية: نسخة لبنانية مبتكرة تحيّر جيش الاحتلال

كتب حسن حردان 

أثارت “حرب العصابات الجوية” التي تشنّها المقاومة ضدّ جيش الاحتلال الإسرائيلي اهتماماً واسعاً لدى الخبراء العسكريين والمحلّلين، بعدما تحوّلت المُسيّرات الانقضاضية إلى كابوس يومي يطارد جنود الاحتلال ويكبّدهم خسائر بشرية مستمرة. لقد نجح هذا السلاح ذو الكلفة الزهيدة في كسر الهيمنة التكنولوجية والجوية “الإسرائيلية”، تاركاً قوات الاحتلال بلا غطاء واقٍ في الميدان. إنّ هذا التحوّل النوعي يبرهن على مرونة “حرب التحرير الشعبية” وقدرتها على ابتكار حلول تقنية تقوّض التفوق العسكري التقليدي، وتثبت أنّ الجيوش النظامية المدجّجة بالترسانات الضخمة يمكن هزيمتها بأساليب غير تقليدية ومبتكرة. لهذا يسجل للمقاومة في لبنان هذا الاختراع في وسائل قتال حرب العصابات الذي حيّر خبراء العدو وجعلهم عاجزين أمامه. ما يشهده الميدان اليوم هو تجسيد حيّ للمقولة العسكرية التي تؤكد أنّ “إرادة القتال تبتدع الوسائل”. إنّ لجوء المقاومة في لبنان إلى هذا النمط من “حرب العصابات الجوية” يمثل قفزة نوعية في فكر حروب التحرير الشعبية، ويمكن قراءة هذا التطور من خلال النقاط التالية:

 

أولاً: تطويع التكنولوجيا في خدمة حرب التحرير الشعبية،

تاريخياً، كانت حروب التحرير الشعبية ضدّ جيوش الاحتلال والاستعمار تعتمد على الكثافة البشرية والكمائن الأرضية. لكن المقاومة اليوم أدخلت “العنصر التقني الذكي” إلى معادلة حرب العصابات:

الابتكار: بدلاً من محاولة بناء سلاح جو تقليدي (طائرات مقاتلة) يسهل تدميره. تمّ ابتكار “سلاح جو موازٍ” يتناسب مع إمكانيات المقاومة ويتجاوز قدرات العدو على الرصد، وهو ما كسر احتكار التكنولوجيا العسكرية التي كانت تميل كفتها دائماً لصالح الجيوش النظامية الاستعمارية.

 

ثانياً: تجاوز القواعد الكلاسيكية…

الجيوش النظامية للدول الاستعمارية، بما تملكه من ترسانة ضخمة، تتدرّب لمواجهة جيوش تشبهها. أما “حرب العصابات الجوية” فقد خلقت واقعاً “غير متماثل” بامتياز:

الهدف: المُسيّرات لا تسعى للسيطرة الجوية الدائمة، بل لتنفيذ ضربات جراحية تستهدف “الأعصاب الحساسة” للعدو (منظومات التجسّس، تجمعات القيادة، والجنود، ورادارات الدفاع).

النتيجة: تحييد فاعلية الطيران الحربي الإسرائيلي المتطور مثل “أف 35” الذي يقف عاجزاً عن حماية قاعدة عسكرية من مُسيّرة صغيرة الحجم، رخيصة الثمن، وعالية الدقة.

 

ثالثاً: الحيرة الاستراتيجية لدى خبراء العدو،

ما يُربك قادة الاحتلال ليس وجود المُسيّرات بحدّ ذاته، بل “التطور الديناميكي” لها. ففي كلّ مرة يحاول العدو تحديث منظومات اعتراضه، تبتدع المقاومة أساليب جديدة في التخفي، أو مسارات الطيران، أو استخدام أسراب تنهك قدرة المعالجة لدى الرادارات. هذا الابتكار المستمرّ هو ما يحوّل المعركة من مواجهة عسكرية إلى “حرب عقول”، يتفوّق فيها المقاتل الميداني الذي يعرف جغرافية الأرض والسماء على المهندس الذي يجلس خلف شاشة الرادار.

 

رابعاً: النموذج اللبناني من تطوير حرب العصابات،

يُسجل للمقاومة في لبنان أنها لم تكتفِ بنقل تجارب الآخرين، بل طوّرت “نسخة لبنانية” من حرب العصابات تتناسب مع تضاريس المنطقة وتعقيدات التكنولوجيا الإسرائيلية.

هذا الاختراع في الوسائل القتالية أثبت أنّ التحرر من الاحتلال لا يتطلب التكافؤ في القوة، بل يتطلب التفوق في “القدرة على التكيّف” وتحويل نقاط قوة العدو (مثل اعتماده الكلي على التكنولوجيا) إلى نقاط ضعف (من خلال ضرب هذه التكنولوجيا بوسائل بسيطة ومبتكرة).

إنها معركة إثبات أنّ الروح القتالية، حين تقترن بالعلم والابتكار، قادرة على هزيمة أعتى الآلات العسكرية، وفرض معادلة جديدة تنزع عن الاحتلال “درعه الجوي” وتتركه في حالة من العجز الميداني والنفسي…