Beirut weather 22.43 ° C
تاريخ النشر May 15, 2026
A A A
كلٌ «يفاوض» على ليلاه!

كتب عماد مرمل 

 

 

انطلقت جلسة التفاوض المباشر أمس في واشنطن والتي ستليها أخرى اليوم، كسيارة مغروزة إطاراتها في الرمال، إذ إنّه كلّما داس سائقها على دواسة البنزين للتقدُّم بها إلى الأمام كلّما غرقت أكثر في تلك الرمال.

 

تبدو المفاوضات المباشرة بين لبنان والكيان الإسرائيلي وكأنّها تسبح خارج قانون «الجاذبية» في ظلّ افتقارها إلى أي قواعد ناظمة، إذ إنّ كلاً من طرفَيها «يفاوض» على ليلاه ويحمل معه أجندة مغايرة كلياًعن الأخرى.

 

 

 

لبنان يريد في البداية تثبيت وقف إطلاق النار، بينما تل أبيب تريده في النهاية بعدما تكون قد فرضت شروطها. ولبنان يتطلّع إلى إجراء المفاوضات في ظلّ الهدوء، حتى لا يكون عرضة للابتزاز، بينما تل أبيب مُصرّة على إجرائها تحت النار، لمنع التفاوض اللبناني من التقاط أنفاسه ولإخضاعه إلى الضغط المستمر، بغية انتزاع أقصى التنازلات السياسية الممكنة منه.

 

 

 

والسلطة اللبنانية تطمح إلى إعادة إحياء اتفاقية الهدنة عام 1949 أو إبرام اتفاق جديد بسقف أمني، فيما القيادة الإسرائيلية تطمح إلى السلام والتطبيع، كما أكّد السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر، الذي اعتبر أنّ التركيز الآن هو أولاً على الوصول إلى معاهدة سلام، وكأنّ «حزب الله» غير موجود.

 

والسلطة اللبنانية تستعجل إنهاء العدوان وانسحاب جيش الاحتلال وإطلاق الأسرى وعودة النازحين، فيما القيادة الإسرائيلية تستعجل أمراً واحداً وهو نزع سلاح «حزب الله».

 

 

 

وبيروت تراهن على الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدفع بنيامين نتنياهو إلى التجاوب مع المطالب المطروحة، أمّا نتنياهو فهو مطمئن إلى أنّه وترامب شريكان استراتيجيان في إيران ولبنان، وأنّ واشنطن لن تذهب بعيداً في الضغط عليه في الملف اللبناني، بل هي تغطّيه عبر منحه حرّية الحركة في إطار ما يسمّى حق الدفاع عن النفس الوارد في مذكرة التفاهم الصادرة عن الخارجية الأميركية.

 

 

 

بهذا المعنى، فإنّ أقصى ما يمكن أن يحصل عليه لبنان حالياً هو استمرار تحييد العاصمة بيروت، إلى جانب الضاحية نسبياً، عن الإعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الجنوب والبقاع الغربي، علماً أنّ نتنياهو ترك لنفسه هامش خرق هذه المعادلة الهشة، واستهداف الضاحية إذا تسنّى له تنفيذ عملية اغتيال. ولعلّ الحجم الكبير للهوّة التي تفصل بين الجانبَين، عَكَسه السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة بقوله: «سنعرض على لبنان خطة جديدة لتحديد مناطق نعمل فيها على نزع سلاح حزب الله»، مشيراً إلى «أنّ هناك حاجة لنرى عملياً كيف تقوم الحكومة اللبنانية بتعزيز جيشها، وسنحدِّد منطقة معيّنة ونخطّط معها لطريقة تنظيفها من سلاح الحزب».

 

 

 

لكنّ السلطة اللبنانية تعرف جيداً أنّها ليست قادرة على نزع السلاح، وأنّ أي التزام قد تعطيه في هذا الشأن لن تستطيع تنفيذه إلّا في حال قرّرت تكليف الجيش رسمياً مواجهة الحزب عسكرياً، وهو أمر مستبعد، أولاً بسبب تداعياته على السلم الأهلي وتماسك المؤسسة العسكرية، وثانياً لأنّ قيادة الجيش ليست في وارد خوض هذه المغامرة، والعماد رودولف هيكل لن ينزلق إليها حتى لو كلّفه ذلك الاستقالة أو الإقالة، وفق ما يجزم العارفون.

 

 

 

أمام كل هذا الاستعصاء، لا يُتوقع أن تحقق مفاوضات واشنطن خرقاً حقيقياً، والحدّ الأقصى الذي قد تسفر عنه، إذا ضغَط الأميركي ووافق الإسرائيلي، هو تمديد وقف إطلاق النار الشكلي الذي ينتهي مفعوله في 17 أيار الجاري، في انتظار ما سيؤول إليه المسار الأميركي – الإيراني الذي سيتولّد عنه الحل الشامل أو الإنفجار الكبير.