Beirut weather 22.99 ° C
تاريخ النشر May 15, 2026
A A A
يوسف بك كرم… حين وَلَدَت إهدنُ بطلَ لبنان !

 

 

*كتب فادي شربل داود*

 

في منتصف أيّار من سنة 1823، كانت إهدن تستيقظ على ربيعها الجبليّ الجميل. الثلوج كانت قد انسحبت عن القمم العالية، وبدأت كروم التفاح والسنديان تتنفّس دفءَ الشمس، فيما النسيم البارد يهبط من جرود الأرز نحو بيوت البلدة الحجرية العتيقة.

وفي ذلك الصباح الهادئ، وُلد طفلٌ في دارٍ من أعرق دور الشمال اللبناني، لم يكن أحد يدرك أنّ اسمه سيصبح بعد سنوات رمزًا للكرامة اللبنانية والمقاومة والإيمان… إنّه بطل لبنان يوسف بك كرم.

وُلِد يوسف بن بطرس بن يوسف بن فرنسيس كرم الأهدني في الخامس عشر من أيّار سنة 1823، في بيتٍ جمع المجد والإيمان والوجاهة الوطنية. كان والده الشيخ بطرس كرم من أبرز رجالات لبنان في زمانه، عُرف بالكرم والنفوذ والاستقامة، أمّا والدته الست مريم، ابنة الشيخ المؤرّخ أنطونيوس أبي خطار العينطوريني، فكانت امرأة قوية الإيمان والشخصية، تركت أثرًا عميقًا في تربية ابنها وتنشئته الروحية والوطنية.

لم تكن دار آل كرم في إهدن منزلًا عاديًا، بل كانت أشبه ببيت إمارة وملتقى للوجوه السياسية والدينية والرحّالة والأمراء. فمنذ القرن السابع عشر، مرّ في تلك الدار كبار الشخصيات والزعماء، حتى أصبحت إهدن نفسها محطةً معروفة في جبل لبنان. وكان البيت الذي أبصر فيه يوسف النور قائمًا وسط الحارات القديمة، بجدرانه الحجرية السميكة وشرفاته المطلة على الجبال، فيما كانت الكنائس القديمة تدقّ أجراسها فوق التلال القريبة.

ويبدو أنّ الطفل الذي وُلد في ذلك اليوم الربيعي حمل منذ بدايته شيئًا من روح الجبل وصلابة أهله. فقد نشأ بين طبيعة إهدن القاسية والجميلة معًا، يسمع قصص البطولة والإيمان، ويرى الوفود تدخل دار والده، ويتعلّم منذ طفولته معنى الكرامة وحبّ الأرض. وكان أصغر إخوته، فتعلّقت به والدته كثيرًا، وغرست فيه الصلاة والتقوى منذ سنواته الأولى.

كبر يوسف في بيئةٍ لم تفصل بين الوطنية والإيمان. فكان يرافق والده إلى الكنيسة، ويحضر القداس باكرًا، ويحفظ الصلوات السريانية والعربية، فيما تعلّم لاحقًا اللغات والآداب والفروسية. وقد أتقن ركوب الخيل وضرب السيف والرماية على يد الشيخ عماد الهاشم العاقوري، حتى أصبح فارسًا بكل ما للكلمة من معنى، جسدًا وروحًا.

لكنّ ما صنع يوسف بك كرم حقًا لم يكن السيف وحده، بل تلك التربية العميقة التي نشأ عليها في بيتٍ عرف معنى الشرف اللبناني. ففي دار آل كرم، كان الضيف يُكرَم، والفقير يُعان، والكرامة تُحفظ، والإيمان يُعاش كلّ يوم. ومن هناك خرج ذلك الشاب الذي سيقف لاحقًا في وجه الظلم والتدخّلات الأجنبية، مدافعًا عن حرية لبنان وكرامة شعبه.

واليوم، بعد أكثر من قرنين على ولادته، ما زال اسم يوسف بك كرم حيًّا في وجدان اللبنانيين، وما زالت إهدن تحفظ صدى خطواته بين أحيائها القديمة وكنائسها وبيوتها الحجرية.

سلامٌ على يوسف بك كرم في ذكرى ولادته،

وسلامٌ على إهدن التي أنجبت رجالًا يشبهون جبالها…

أقوياء، أحرارًا، وصلاتهم لا تنطفئ.

 

وفي ختام هذه الذكرى، نرفع الصلاة على نيّة تطويب خادم الله يوسف بك كرم:

أيّها الآب الأزلي،

يا من دعوتنا بابنك يسوع إلى القداسة،

إنّ دعوتك لاقت الأثر الطيّب في قلب خادمك يوسف بك كرم،

الذي عاش حياته متأزّرًا بالإيمان،

مدافعًا عن الحق،

ومحبًّا لشعبه وكنيسته ووطنه.

يا ربّ،

نسألك أن تُمجّد خادمك على الأرض،

كما نؤمن أنّه ممجَّد في السماء،

ليُعلن طوباويًّا وقدّيسًا،

فنستنير بمثاله في مسيرتنا نحو الملكوت.

وبشفاعة مريم العذراء ،

سيدة الحصن وسيدة زغرتا

والقدّيس يوسف البتول،

نرفع إليك هذه الصلاة بثقةٍ ورجاء.

آمين.