Beirut weather 22.99 ° C
تاريخ النشر April 28, 2026
A A A
نقاط على حروف كلام الرئيس
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

يبدو أن رئيس الجمهورية تعمّد في كلامه أمس، إغلاق طريق النقاش، فذهب بنبرة عالية لتصعيد الخطاب والإصرار على الخيار التفاوضي رغم كل الشوائب البائنة، واتهامه للمقاومة بالخيانة رغم محاولة تصويره رداً على اتهام وجهته له المقاومة بالخيانة، بما يبدو تعبيراً عن نيّة “كسر الجرة”؛ لأن العودة إلى ما قالته المقاومة لم يمسّه ولم يتهمه بالخيانة، وتوصيف التفاوض خيانة لدماء الشهداء هو تعبير سياسي عن التفريط بالدماء، وهو ليس جديداً في توصيف خيار التفاوض المباشر مع العدو من قبل المقاومة منذ ولادتها، ولذلك لا تبدو هناك حاجة لنقاش يهدف للإقناع أو الدعوة للتراجع، أو إثبات الخطأ، أو مساجلة المنطق، بقدر الحاجة لوضع بعض النقاط على الحروف التي تعمّدت صنع التباسات لا يجوز تركها دون توضيح.

 

– هل يعقل أن رئيس الجمهورية لا يعرف الفارق بين اتفاق الهدنة وإنهاء حال الحرب، كي يقول: “واجبي هو أن أتحمّل مسؤولية قراري وأقود بلادي على طريق الخلاص، ضمن الثوابت التي أكدت عليها، وهدفي هو الوصول إلى إنهاء حالة الحرب مع “إسرائيل”، على غرار اتفاقية الهدنة. فهل اتفاقية الهدنة كانت ذلاً؟ أنا لن أقبل بالوصول إلى اتفاقية ذلّ”. هل يغيب عن رئيس الجمهورية وفريقه الدبلوماسي والقانوني أن إنهاء حال الحرب لا يشبه بشيء حال الهدنة، وأن إنهاء حال الحرب هو أضعف تعابير اتفاقيات السلام بينما اتفاقية الهدنة هي أضعف تعابير حالات الحرب؟ ومعلوم أن الذهاب إلى اتفاق الهدنة في كل حرب هو إعلان عدم إنهاء حال الحرب، بل إنهاء الأعمال العدائية والقتالية بما فيه التعدي على الحدود، بانتظار مرحلة لاحقة يمكن فيها التفكير بإنهاء حال الحرب، بينما إنهاء حال الحرب هو خطوة نحو إزالة كل إجراءات العداء بما فيها إيقاف الحملات الإعلامية وإلغاء قوانين منع التعامل ومنع التبادل التجاري، تمهيداً لاتفاق سلام يكون فيه تبادل السفراء.

 

– لمزيد من الإيضاح نسأل: هل غاب عن الرئيس وفريقه القانوني خصوصاً، ونحن في خضم مفاوضات دقيقة وحساسة، الحاجة لاستخدام المصطلحات القانونية الدقيقة؟ حيث يعلم كل متابع أن مرجع اتفاقيات الهدنة يعود إلى نصوص اتفاقيات لاهاي 1907 – اللائحة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية (الملحق)، حيث الهدنة كما تنص الاتفاقيات في المادة 36 وردت كما يلي: “الهدنة توقف العمليات العسكرية باتفاق متبادل بين الأطراف المتحاربة”. أما إعلان إنهاء حال الحرب فمرجعه هو اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969، باعتباره وضعاً قانونياً ينشأ من معاهدة خاضعة لاتفاقية فيينا. ومن التجربة اللبنانية سوف نكتشف كارثة الخلط بين اتفاقية الهدنة وإعلان إنهاء حال الحرب، حيث ورد في اتفاق الطائف النص التالي: “استعادة سلطة الدولة حتى الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً تتطلب الآتي: أ- العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن الدولي القاضية بإزالة الاحتلال الإسرائيلي إزالة شاملة. ب- التمسك باتفاقية الهدنة الموقعة في 23 آذار 1949 م. ج- اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني لتأمين الانسحاب الإسرائيلي وإتاحة الفرصة لعودة الأمن والاستقرار إلى منطقة الحدود”، فهل هذا ما تعمل عليه حال التفاوض المباشر؟

 

– بالمقابل لم يرد نص إنهاء حال الحرب إلا في اتفاق 17 أيار، حيث نص الاتفاق في المادة الأولى على: “- يتعهد كل من الفريقين باحترام سيادة الفريق الآخر واستقلاله السياسي وسلامة أراضيه، ويعتبر أن الحدود الدولية القائمة بين لبنان و”إسرائيل” غير قابلة للانتهاك. – يؤكد الفريقان أن حالة الحرب بين لبنان و”إسرائيل” أنهيت ولم تعد قائمة. – عملاً بأحكام الفقرتين الأولى والثانية، تتعهد “إسرائيل” بأن تسحب قواتها المسلحة من لبنان وفقاً لملحق هذا الاتفاق”. وبالطبع تكفلت الترتيبات الأمنية المرفقة بالاتفاق بإبقاء قوات الاحتلال ومنحها صلاحية حرية الحركة داخل الأراضي والأجواء والمياه اللبنانية. الواضح إذن من المقارنة بين ما نص عليه اتفاق الطائف واتفاق 17 أيار، أن الفارق بينهما ليس في الدعوة لانسحاب قوات الاحتلال من لبنان أو في بسط سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها، نظرياً، إنّما في توصيف العلاقة بين لبنان و”إسرائيل”؛ هل هي حالة هدنة تحت سقف القرارات الدولية التي نصت على انسحاب إسرائيلي غير مشروط من الأرض اللبنانية، أم هي إنهاء حالة الحرب؟ والتمييز بين الحالتين ليس تفصيلاً بسيطاً، وإلا لكان استخدم اتفاق 17 أيار صيغة اتفاقية الهدنة والقرارات الدولية، أو كان استخدم اتفاق الطائف صيغة إنهاء حال الحرب.

 

– الخيار الواضح للتفاوض المباشر هو اتفاق 17 أيار، والأفضل ألا تتأخّر السلطة عن التصريح بذلك؛ لأن التستر على هذه الحقيقة مستحيل مع كل يوم يمرّ من التفاوض. ولعل ما يوضح أن الخلط بين اتفاق الهدنة وإنهاء حال الحرب يتم عمداً، هو تعمّد اجتزاء نص البيان الصادر عن وقف إطلاق النار عن وزارة الخارجية الأميركية، حيث يقول الرئيس: “أبلغنا الجانب الأميركي القائم بمساعيه مشكوراً، ومنذ اللحظة الأولى، أن وقف إطلاق النار هو خطوة أولى ضرورية لأي مفاوضات لاحقة، وهذا ما كررناه في الجلستين اللتين عقدتا على مستوى السفراء في 14 و23 نيسان، وهو ما كان قد ورد بشكل واضح في البيان الذي صدر عن الخارجية الأميركية بعد الجلسة الأولى، والذي أكدنا عليه ونص في فقرته الثالثة على أنه لن تقوم “إسرائيل” بأي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية بما في ذلك الأهداف المدنية والعسكرية وغيرها من أهداف الدولة في الأراضي اللبنانية براً وبحراً وجواً”. والفضيحة هي أن هذا الاقتباس يؤكد معرفة السلطة وموافقتها على البيان الصادر عن الخارجية الأميركية حول بنود وقف النار، بعدما كنّا نسأل: هل يعقل أن نصّ البيان صدر من واشنطن دون معرفة السلطة والرئاسة؟ وها هو الجواب يأتي بالقول “نعم بمعرفتنا وموافقتنا”، لكن الفضيحة الأعظم هي أن الفقرة المقتطعة من البيان هي النصف الثاني من الفقرة الثالثة في البيان، التي أشار إليها الرئيس متجاهلاً النصف الأول من الفقرة ذاتها، الذي يقول: “تحتفظ “إسرائيل” بحقها في اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت ضد أي هجمات مخطط لها أو وشيكة أو جارية، ولن يحول وقف الأعمال العدائية دون ممارسة هذا الحق”. فإن كان هذا النصف الأول موضع فخر وليس معيباً فلماذا يتجاهله الرئيس؟ وهذا النصف الأول كما هي العادة هو النصف التقريري والنصف الثاني هو النصف الاستدراكي، وهذا النصف التقريري هو الذي يستند إليه جيش الاحتلال بمواصلة تدمير المنازل وجرف البيوت وقتل الناس وشن الغارات وقصف المدفعية، بحيث لم يبقَ من وقف النار شيء إلا ما ورد عنه في كلام الرئيس؛ حبر على ورق يريد الاستقواء بالنصف الثاني الاستدراكي والموضوع أصلاً لرفع العتب.

 

– يقول الرئيس: “يحاسبنا البعض أننا اتخذنا قرار الذهاب إلى المفاوضات بحجة عدم وجود إجماع وطني وأنا أسأل: هل عندما ذهبتم إلى الحرب، حظيتم أولاً بالإجماع الوطني؟”، وسأل: “إلى متى سيظل أبناء الجنوب يدفعون ثمن حروب الآخرين على أرضنا، وآخرها حرب إسناد غزة وحرب إسناد إيران؟”. وختم: “انتظروا لتبدأ المفاوضات واحكموا على النتيجة”. والرد على مطالبة السلطة بالحصول على الإجماع بالسؤال عن خروج المقاومة على الإجماع جملة تتكرّر على ألسنة كل مروّجي رواية السلطة حول التفاوض، لذلك وجب التذكير بأن موجبات السلطات تختلف عن موجبات المقاومات؛ فالسلطة في كل مكان وزمان تقوم على عقد اجتماعي بين المواطنين عبر ممثليهم، ويحدد الدستور الذي يمثل ميثاق الحكم النصاب اللازم لكل قرار، وفي التاريخ والعرف والنص كل قرار مصيري يحتاج إلى أعلى نصاب، وهذا قائم ودائم ولا يغير فيه اتهام فريق سياسي أو طائفي بعدم احترام المبدأ؛ لأن هذه هي موجبات تحمل مسؤولية السلطة. أما الشق الخاص بالمقاومات، فـالأكيد أنها لا تحتاج لسلوك خيار المقاومة إجماعاً ولا أغلبية، الاحتلال وحده يمنحها شرعية الوجود والعمل، وعدم قيام السلطة بواجبها في الحماية والدفاع عن الأرض والتصدّي للعدوان يعظمان من هذه الشرعية. والمثال بسيط ومزدوج على نظرية التوافق وحروب الآخرين، وهو مثال مقاومة الجنرال شارل ديغول الذي شق عصا التوافق الفرنسي وراء جنرال له تاريخ مجيد بعيون شعبه هو الجنرال فيليب بيتان بطل معركة فردان في الحرب العالمية الأولى، واتهم ديغول – إضافة لعدم امتلاك التوافق الوطني – بخوض حروب الآخرين وتنفيذ حرب تعرّض أرواح الفرنسيين وأرزاقهم للخطر لصالح دول أجنبية، والمقصود كان بريطانيا وأميركا. ولعلنا نتشوّق لنسمع تصنيف الرئيس لشارل ديغول، هل هو قائد مقاومة لا حاجة للإجماع عليها لتنال مشروعيتها ولا ينتقص من وطنيتها اتهامها بخوض حروب الآخرين؟ يبقى الكلام عن الانتظار للحكم على التفاوض، والجواب بسيط: لماذا ننتظر؟ ولماذا لم ينظر الرئيس إلى ما يجري في سورية ليعرف كما عرفنا ماذا سوف تكون النتيجة؟ فهو يستند إلى صديقه دونالد ترامب آملاً أن يُنصف لبنان، وكل ما فعله ترامب كان تغليب مصالح “إسرائيل” وإحراج الرئيس، وترامب لم يصف الرئيس اللبناني بالصديق بالمثل بينما ذهب إلى التمجيد مراراً بخصال الرئيس السوري. ومن يأمل الرئيس مساعدتهم للضغط على ترامب سبق وفعلوا أكثر لصالح سورية، والتفاوض الذي يقول الرئيس إنه تحت شروط ذهبت إليه سورية قبل سنة وعلى أعلى مستوى وزاري وعسكري دون شروط، وارتضت تأجيل ملف الجولان المحتل، فهل حصلت على إنهاء احتلال جبل الشيخ الذي يعادل ما يُسمّى بالمنطقة الصفراء عندنا؟ وهل توقفت الاعتداءات؟ وهل السبب في عدم تحقيق شيء هو ضعف الدعم الأميركي الذي يأمل الرئيس بنيل أفضل منه، أم لأن حروب الآخرين تخوضها مقاومة ما في سورية، أم لأن المقاومة هناك لم تسلّم سلاحها؟

 

– “مين جرّب المجرّب كان عقلو مخرّب”، ولذلك لن ننتظر؛ لأن المكتوب يقرأ من عنوانه. وختاماً، إذا كان على أحد ألا يستبق الأحكام وينتظر النتائج فهو السلطة، التي منحتها المقاومة سنة وثلاثة شهور، فلتمنحها مثلها وتحكم بعدها!