Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر April 28, 2026
A A A
هدنة على الورق.. كيف تستثمر إسرائيل وقف إطلاق النار؟..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

دخلت الهدنة الممدّدة لثلاثة أسابيع يومها الأول، بعد إنتهاء مرحلتها الأولى التي استمرت عشرة أيام، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية التي شهدت تصعيدًا لافتًا، حيث يواصل العدو تدمير المنازل بشكل ممنهج في القرى والبلدات الجنوبية، بالتوازي مع شنّ غارات جوية مكثفة، كان آخرها استهداف منطقة البقاع أمس، في أول اعتداء من نوعه منذ سريان الهدنة قبل عشرة أيام. ما يجعل الهدنة بمرحلتيها الأولى والثانية “حبرا على ورق”.

ويؤكد ذلك ما يجري على أرض الواقع، وتعزّزه التصريحات الإسرائيلية التي تشير إلى توجه نحو فرض واقع أمني جديد ذي طابع توسّعي في لبنان. وقد كان لافتًا تصريح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير الذي تحدث فيه عن أنه قد يُقدم على “حرق أرز لبنان”، في خطاب يعكس تصعيدًا خطيرًا وحقدا دفينا على وطن الأرز، مستندًا بذلك إلى تعبيرات سبق أن استخدمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه “تدمير الحضارة الإيرانية”.

رغم الاتصال الذي أجراه ترامب برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، والدعوة إلى الالتزام بوقف إطلاق النار، لا يبدو أن لبنان حصل على أي ضمانات حقيقية، سواء عبر المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة، أو حتى من خلال اللقاءين اللذين حصلا على مستوى السفراء. فكل هذه المساعي لم تُفضِ إلى وقف الاعتداءات، ولا إلى تعهّد واضح بالحد منها، في ظل غياب أي ضغط فعلي لبناني رسمي أو أميركي على إسرائيل.

وما يؤكد ذلك، هو أن الأسابيع الماضية شهدت عقد جلستين من المفاوضات المباشرة، إلا أن إسرائيل لم تُقدم بعدهما على أي خطوة إيجابية تجاه لبنان. ومن هنا، يمكن القول إن الرهان على هذه المسارات يبدو معدومًا، خاصة أن التجربة السابقة لاتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 أظهرت عدم التزام إسرائيل به، واستمرار اعتداءاتها التي أدت إلى ارتقاء خمسمئة شهيد ونحو ألفي جريح، رغم وجود الولايات المتحدة كجهة ضامنة.

يبدو أن إسرائيل تعيد اليوم تكرار النهج ذاته، ساعية إلى استكمال مشروعها في السيطرة على الجنوب، سواء عبر التمدد إلى ما بعد نهر الليطاني أو من خلال فرض منطقة عازلة، كونها تفسّر وقف إطلاق النار باعتباره فرصة للتحرك من دون مواجهة، وهو ما يعكس محاولة لفرض معادلة جديدة أقرب إلى الاستسلام الكامل.

لذلك فإن الأمل اللبناني في أن تؤدي تنازلات السلطة السياسية بالتفاوض المباشر إلى حلول حقيقية هو مجرد أحلام ممنوعة من التفسير.

واللافت أن أداء السلطة السياسية في هذا السياق ساهم في تعميق الانقسام الداخلي إلى حدود الصدام، في وقت يسعى فيه نتنياهو إلى استثمار هذه اللقاءات المباشرة مع لبنان في الداخل الإسرائيلي لأهداف سياسية وانتخابية.

إلى جانب ذلك، تبرز مؤشرات على سعي إسرائيلي حثيث إلى تأجيج فتنة داخلية في لبنان، لتتمكن من الدخول إلى المعادلة السياسية الداخلي ودعم أطراف على حساب أخرى، بما يخدم مخططاتها التوسعية، لا سيما في الجنوب، ويعيد اللبنانيين إلى حقبة مأساوية.

وفي هذا الإطار تبدو التجربة السورية حاضرة، حيث اتجهت القيادة الجديدة إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من دون تحقيق نتائج تُذكر، علما أن في سوريا لا توجد مقاومة فاعلة على الأرض، ورغم ذلك يحتل العدو نحو ستمئة كيلومتر، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذا المسار في الحالة اللبنانية.

بالتزامن، تتزايد الأصوات السياسية اللبنانية الرافضة للمفاوضات المباشرة، من الثنائي الشيعي إلى الحزب التقدمي الإشتراكي إلى التيار الوطني الحر إلى تيار المردة وقسم كبير من الشارع السني، وهو ما يعكس وجود فجوة واضحة بين توجهات السلطة السياسية ومواقف عدد من المكونات اللبنانية، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الداخلي في هذه المرحلة الحساسة.