Beirut weather 22.99 ° C
تاريخ النشر April 28, 2026
A A A
مانشيت “النهار”: الاشتعال يتمدّد ميدانياً وتداعياته تتفجر سياسياً…
الكاتب: النهار

مع أن العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزف عون و”حزب الله” كانت تعتمل بتوتّر تراكمي متصاعد منذ فجّر الحزب حرب مساندة إيران واستدرج كوارثها إلى لبنان، فإن أحداً لم يتوقع انفجار الاحتقان علناً على النحو الذي حصل أمس، في أعنف ردود الرئيس عون إطلاقاً على الحزب منذ انتخابه. عكس المضمون الحاد والصارم لردّ الرئيس عون ما يشبه قنبلة سياسية ثقيلة في حقل ألغام، واضعاً حدّاً لتمادي الحزب واتباعه وجيوشه الالكترونية في حملات الإقذاع والشتم والتخوين التي صارت مرادفة لغرقه غير المرتد عن المستنقع الحربي الميداني الذي أوقع نفسه فيه وزجّ عبره لبنان في حرب من دون أفق. ولعلّ الأهم من المضمون العنيف في ردّ الرئيس عون أنه لاقى ترحيباً واسعاً وحارّاً من جهات وقوى كثيرة، بما يعكس الدلالات البالغة السلبية للعزلة التي تحاصر الحزب في حربه السياسية والدعائية المفلسة على السلطة وقرارها بإنهاء الحرب عن طريق المفاوضات لإنهاء “حروب الاخرين” وحروب الإسنادات لمصالح إيران وغيرها إنهاءً حاسما. ويبدو أن محاصرة الحرب العبثية السياسية التي يخوضها الحزب بموازاة الحرب العبثية الميدانية لن تقف عند حدود المواجهة السياسية الحاسمة التي مضت إليها رئاسة الجمهورية كما تمضي فيها رئاسة الحكومة، بل إن المواجهة ستتخذ صورة إقفال نوافذ الابتزاز والتهويل والتهديد التي يشرعها “حزب الله” لمنع السلطة من المضي قدماً في خيار المفاوضات برعاية الولايات المتحدة الأميركية. وهذا الوجه الآخر من المواجهة سيتمثّل في إنجاز الاتصالات لإقامة “شبكة أمان” سياسية داخلية، تنطلق من توافق الرئاسات الثلاث وتتّسع للغالبية الكبرى من القوى دعماً لخيار المفاوضات وأسسها التي سيمضي فيها لبنان

 

وفي انتظار ما تردّد عن لقاء تنسيقي يُعقد بين الرئيس عون ورئيسي مجلس النواب نبيه بري والحكومة نواف سلام، يوحّد الموقفَ الرسمي من المفاوضات المباشرة، كان للرئيس عون ردّه غير المسبوق على الحزب، معلناً أنَّ “من جرّنا إلى الحرب في لبنان، يحاسبنا اليوم لأننا اتخذنا قرار الذهاب إلى المفاوضات بحجة عدم وجود إجماع وطني”، وسأل: “هل عندما ذهبتم إلى الحرب، حظيتم أولاً بالإجماع الوطني؟”. وأشار إلى أنه “قبل بدء المفاوضات بدأ البعض بتوجيه سهام الانتقادات والتخوين، والادّعاء أننا نذهب إلى المفاوضات مستسلمين”، وقال: “انتظروا لتبدأ المفاوضات واحكموا على النتيجة”. وتساءل، “إلى متى سيظل أبناء الجنوب يدفعون ثمن حروب الآخرين على أرضنا، وآخرها حرب إسناد غزة وحرب إسناد إيران. فلو كانت الحرب تحصل من أجل لبنان، لكنا أيّدناها، ولكن حين يكون هدف الحرب تحقيقاً لمصلحة الآخرين، فأنا أرفض الحرب تماماً”. وشرح خلال استقباله وفداً من أبناء منطقة حاصبيا ومرجعيون والعرقوب واتحادي البلديات فيها، “أبلغنا الجانب الأميركي القائم بمساعيه مشكوراً، ومنذ اللحظة الأولى أن وقف إطلاق النار هو خطوة أولى ضرورية لأي مفاوضات لاحقة، وهذا ما كرّرناه في الجلستين اللتين عقدتا على مستوى السفراء في 14 و23 نيسان، وهو ما كان ورد بشكل واضح في البيان الذي صدر عن الخارجية الأميركية بعد الجلسة الأولى، والذي اكدنا عليه، ونصّ في فقرته الثالثة على أنه “لن تقوم إسرائيل بأي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية، بما في ذلك الأهداف المدنية والعسكرية وغيرها من أهداف الدولة في الأراضي اللبنانية براً وبحراً وجواً “. وأكد أن “هذا هو الموقف الرسمي للدولة اللبنانية مما يحصل في لبنان أو في واشنطن، وأي كلام آخر غير معنيين به ولا يوجد أي تغطية رسمية لبنانية له”. وشدّد على “أن ما يقوم به ليس خيانة، بل الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقاً لمصالح خارجية”. وقال: “واجبي هو أن أتحمّل مسؤولية قراري وأقود بلادي على طريق الخلاص، ضمن الثوابت التي أكدت عليها، وهدفي هو الوصول إلى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، على غرار اتفاقية الهدنة. فهل اتفاقية الهدنة كانت ذلاً؟”، وأكد أنه لن يقبل بالوصول إلى اتفاقية ذلّ.

 

في أي حال، ارتسمت معالم الصدام غير المسبوق بين رأس الدولة والحزب عندما مضى الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في خطاب يكاد لا يعترف بالدولة، إذ اعتبر أنه “لا يمكن لهذه السلطة أن تستمر وهي تفرّط بحقوق لبنان وتتنازل عن الأرض وتواجه شعبها المقاوم. وعلى هذه السلطة أن تعود إلى شعبها لتجمعه حولها، فلا تكون سلطة الجزء بل سلطة الشعب، بالتوافق الذي بنى عليه اتفاق الطائف دستورنا الحالي. مسؤوليتها أن تتراجع عن خطيئاتها الخطيرة التي تضع لبنان في دوامة عدم الاستقرار، وهي مسؤولة أن توقف المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي وتعتمد غير المباشرة، وأن تلغي قرارها في 2 آذار الذي يُجرِّم المقاومة وشعبها أي أكثر من نصف الشعب اللبناني، لتتمكن من متابعة حوار داخلي يضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار من دون الخضوع للإملاءات الإسرائيلية والخارجية”. وإذ أكد “أننا لن نتخلى عن السلاح”، قال متوعّداً: “ليكن معلومًا وبوضوح: هذه المفاوضات المباشرة ومخرجاتها كأنها غير موجودة بالنسبة إلينا، ولا تعنينا من قريب ولا بعيد. نحن مستمرون بمقاومتنا الدفاعية عن لبنان وشعبه، لن نعود إلى ما قبل 2 آذار”.

 

وفي المقابل، اعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن أمين عام حزب الله نعيم قاسم “يلعب بالنار… وستحرق هذه النار حزب الله ولبنان بأكمله”، مضيفًا أن رئيس الجمهورية جوزف عون “يقامر بمستقبل لبنان”. وقال كاتس أنه “لن يكون هناك وقف حقيقي لإطلاق النار في لبنان مع استمرار قصف القوات الإسرائيلية”، مشيرًا إلى “صدور تعليمات للجيش بالرد بقوة على حزب الله في حال أي انتهاك”. وأضاف: “إذا استمرت الحكومة اللبنانية في ظل حزب الله فستندلع نارٌ تحرق أرز لبنان، ونزع سلاح حزب الله يجب أن يمتد إلى كامل لبنان”. وتابع: “على الحكومة اللبنانية ضمان نزع سلاح حزب الله، ونزع السلاح يجب أن يمتد من جنوب نهر الليطاني حتى الخط الأصفر وبعد ذك في كل لبنان”.

 

ولم يكن الوضع الميداني أقلّ سخونة، إذ شهد مزيداً من التصعيد كانت أبرز معالمه عودة الغارات الإسرائيلية إلى عمق البقاع الشمالي فيما احتدمت المواجهات في الجنوب. وبعد سلسلة غارات على الجنوب أعلن الجيش الإسرائيلي “مهاجمة بنى تحتية تابعة لحزب الله في البقاع ومناطق في جنوب لبنان”، وسجلت غارة على مرتفع الشعرة في محيط بلدة النبي شيت.

 

وقال الجيش الإسرائيلي على الاثر: “قصفنا مباني وشققاً في البقاع شرقي لبنان يستخدمها حزب الله لتنفيذ هجماته”. كما أعلن “انفجار مسيّرة مفخخة أطلقها حزب الله قرب قواتنا العاملة جنوبي لبنان من دون وقوع إصابات”. وأعلن الجيش الإسرائيلي “أننا استهدفنا 3 عناصر من “حزب الله” بعد رصدهم قرب خطّ الدفاع الأماميّ في جنوب لبنان”، مضيفاً: قصفنا مبانٍ عسكريّة لـ”حزب الله” من بينها مقرّ قيادة في منطقة بنت جبيل”. وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: “كجزء من نشاط لواء غولاني لإزالة التهديدات من جنوب خط الدفاع الأمامي تم خلال الأيام الأخيرة تدمير أكثر من 50 بنية تحتية إرهابية من بينها مجمّع تحت أرضي استخدمه حزب الله لتنفيذ هجمات ضد قوات جيش الدفاع ودولة إسرائيل. خلال عملية مداهمة مركّزة للقوات في منطقة عدشيت القصير تم العثور على مخزن يحتوي على العديد من الوسائل القتالية داخل غرفة أطفال”. في المقابل، أعلن “حزب الله” أنه استهدف تجمّعًا للآليّات والجنود الإسرائيليينّ في تلّ النحاس عند أطراف بلدة كفركلا بصاروخ موجّه. كما أعلن عن عمليات أخرى لاحقة.