Beirut weather 22.99 ° C
تاريخ النشر April 28, 2026
A A A
السياسة والميدان بين اوهام الأمس وأسعار اليوم
الكاتب: بيار بعقليني - موقع المرده

 

 

في السياسة، لا مكان للثوابت العاطفية فلا عداوات أبدية ولا صداقات دائمة، بل شبكة متحركة من المصالح، تُعاد صياغتها باستمرار وفق ميزان القوة وتبدلاته، هكذا تُدار العلاقات الدولية بمنطق بارد تحكمه حسابات الربح والخسارة، لا اعتبارات الوفاء أو الأخلاق،
الدول لا تتحرك بدافع الصداقة، بل بدافع البقاء والتفوق ، فالحفاظ على الموقع وتعزيزه يشكلان القاعدة غير المعلنة التي تحكم السلوك الدولي ، ومن هنا، لا يمكن فهم هذا الواقع بمعزل عن الجيوبوليتيك، الذي يربط بين الجغرافيا والسلطة، ويمنح المكان قيمته الاستراتيجية. فالممرات البحرية، والمضائق، والعقد البرية، ومصادر الطاقة، ليست مجرد مواقع على الخريطة، بل مفاتيح نفوذ لمن يسيطر عليها.

لم تكن الصراعات يوماً عشوائية، بل دارت دائماً حول نقاط ارتكاز محددة، حيث تتقاطع المصالح الكبرى ، ومن الحرب العالمية الثانية، إلى الحرب الباردة، وصولاً إلى صراعات اليوم، يتكرر المشهد نفسه بأدوات مختلفة، تنافس بين قوى كبرى، يتخذ أشكالاً عسكرية تارة، واقتصادية وتكنولوجية تارة أخرى، فيما يبقى الجوهر واحداً سباق على النفوذ والسيطرة.

في هذا السياق، تبدو الساحة الدولية كرقعة شطرنج واسعة القوى الكبرى تخطط وتناور وتضحي عند الحاجة، بينما تجد الدول الأصغر نفسها في موقع أكثر هشاشة، تُستخدم أحياناً كساحات نفوذ أو خطوط تماس، وتتحرك ضمن هوامش محدودة لا تعكس دائماً مصالحها الذاتية.

اليوم، يتسارع هذا التنافس بشكل ملحوظ. تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها القيادي، فيما تعمل الصين على ترسيخ صعودها كقوة موازية، وبين هذين القطبين، تتعدد بؤر التوتر، من أوكرانيا إلى بحر الصين، ومن الشرق الأوسط إلى الممرات البحرية الحيوية.
غير أن هذا التصعيد لا يعكس فوضى عشوائية، بل مساراً منظماً لتراكم أوراق القوة، فكل تحرك عسكري أو اقتصادي أو تحالفي يشكل جزءاً من رصيد يُبنى تدريجياً، تمهيداً للحظة التفاوض، فالميدان ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لتحسين الشروط على الطاولة.

انطلاقاً من ذلك، تكتسب اللقاءات الدولية، وفي مقدمتها اللقاء الأميركي الصيني المرتقب، أهمية خاصة ، فهي لا تمثل لحظة حسم نهائي، بل محطة لقياس موازين القوى بعد جولات من التنافس، يدخل كل طرف وهو محمّل بما راكمه من أوراق، ساعياً إلى تثبيت مكاسبه أو تعديل موقعه في المعادلة الدولية.

في النهاية، لا تحكم العلاقات الدولية النيات، بل موازين القوة، ولا تُقاس المواقف بالخطاب، بل بما تملكه الدول من أدوات ضغط وتأثير ، وفي ظل هذا الواقع، تبقى الدول الأصغر عرضة للتأثر بهذه التحولات، تتأرجح بين المحاور، وتواجه تحدي الحفاظ على موقعها في نظام دولي لا يرحم الضعفاء.