Beirut weather 16.88 ° C
تاريخ النشر March 5, 2026
A A A
بين سقوط القناع وامتحان التنفيذ.. لبنان أمام لحظة حاسمة ولا عودة إلى الوراء
الكاتب: لينا الحصري زيلع - اللواء

شكّل القرار الصادر عن جلسة مجلس الوزراء يوم الاثنين الماضي محطة مفصلية في الحياة السياسية اللبنانية، ليس فقط لأنه أعاد التأكيد على حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة، بل لأنه وضع الأمور في نصابها الدستوري بعد تطورات خطيرة أدّت الى جرّ البلاد إلى مواجهة مفتوحة. غير أن أهمية القرار لا تكمن في صياغته وحدها، بل في ما كشفته الأحداث التي سبقته، وفي ما إذا كان سيُترجم فعلياً على أرض الواقع.

 

مصادر نيابية اعتبرت عبر «اللواء» ان إطلاق الصواريخ من الجنوب أظهر بوضوح أن المشهد داخل «حزب الله» لم يعد كما كان يُسوَّق له.

فصورة القيادة الواحدة والقرار المركزي المنضبط باتت مهتزّة، وما جرى من تطورات عسكرية أوحى بوجود أكثر من مقاربة داخل الحزب، وربما أكثر من جناح، فكل واحد يتعامل مع المرحلة بحسابات مختلفة.

وأشارت المصادر الى ان هذا التباين يعني أن وحدة القرار لم تعد مطلقة كما في السابق، وأن البنية الداخلية نفسها تمرّ بمرحلة ارتباك سياسي وتنظيمي.

 

ورأت المصادر أن الارتباط الإقليمي بدا أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، باعتبار ان التوقيت والسياق العام عزّزا الانطباع بأن قرار التصعيد يتقاطع مباشرة مع حسابات إيران في المنطقة. وهو ما يؤكد عدم صحة النظرية الذي كان يروّج لها «حزب الله» بأنه يتخذ قراراته وفق المصلحة اللبنانية أولاً، فالتطورات اثبت ان الحزب أسقط القناع عن وجهه، وبات الاصطفاف الإقليمي له معلناً ولا لبس فيه.

وتلفت المصادر النيابية بأن الحزب اليوم بات في حالة عزلة واضحة وغير مسبوقة، مع تراجع الغطاء السياسي وتبدّل أولويات بعض الحلفاء بالنسبة له.

 

وتذكر المصادر بانه ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، تعرّض لبنان لسلسلة اعتداءات إسرائيلية متكررة، كبّدت الحزب خسائر بشرية ومادية كبيرة وطالت مدنيين من أطفال ونساء وأبرياء، ومع ذلك، لم نشهد أي رد مباشر، وهو ما فتح باب التساؤلات داخل بيئته قبل خصومه، لماذا لم يتحرك عندما سقط ضحايا لبنانيون؟ ولماذا بدا قرار الرد مرتبطاً حصراً بالتطورات الإقليمية؟ وهل دم المرشد الإيراني علي خامنئي أغلى من دم اللبنانيين؟

وتلفت المصادر إلى قسوة المشهد الإنساني الذي سببه الحزب نتيجة تصرفاته غير المسؤولة، من خروج عائلات من قراها ومدنها ليلاً في شهر رمضان، تاركة خلفها بيوتها ومصادر رزقها، في ظل خوف وقلق وانعدام وضوح الرؤية. وهذا الواقع خلق بطبيعة الحال شعوراً متزايداً بأن البيئة الحاضنة تُركت وحدها في لحظة الخطر.

 

وإذ تشيد المصادر بموقف رئيس مجلس النواب نبيه بري ووزرائه داخل الحكومة داعماً لقرار مجلس الوزراء ومؤكداً على مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة.

تعتبر ان هذا التموضع حمل دلالات عميقة، إذ أظهر أن الغطاء السياسي لم يعد مطلقاً كما كان، وأن داخل الساحة السياسية نفسها ثمة إدراك لخطورة المرحلة وضرورة إعادة الاعتبار لمنطق الدولة مما يعني ان التطورات الأخيرة شكّلت خسارة سياسية إضافية للحزب، وعمّقت صورة العزلة التي يواجهها.

 

المصادر النيابية تؤكد أن القرارات الحكومية لا تكفي إذا بقيت حبراً على ورق، وتشدّد على أن المطلوب خطوات عملية واضحة وسريعة. فالجيش اللبناني معني مباشرة بتنفيذ الخطة الموضوعة لحصر السلاح وضبط أي نشاط عسكري خارج الشرعية، ومنع استخدام الأراضي اللبنانية منصة لأي عمل عسكري. كذلك، يتحمّل القضاء مسؤولية ملاحقة أي مخالفة للقوانين المرعية الإجراء، لأن هيبة الدولة لا تُستعاد بالبيانات بل بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

وتختم المصادر بالتأكيد بانه لا يجوز أن تبقى الأمور على ما هي عليه، فلا عودة الى الوراء لان الحرب إذا استمرت، ستكون طويلة ومكلفة، وستستنزف بلداً بالكاد يستطيع تأمين الحد الأدنى من متطلبات شعبه، ومع تصاعد المواجهات، ستتفاقم أزمة النازحين والدمار بطبيعة الحال، ما يعني ارتفاعاً إضافياً في فاتورة الدولة نتيجة تأمين إيواء ومساعدات غذائية، إعادة إعمار لاحقا.

في المحصلة، لبنان اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية، القرار السياسي صدر، والمواقف أُعلنت بوضوح، لكن الامتحان الفعلي يبدأ الآن، هل نشهد ترجمة عملية تعيد للدولة هيبتها وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار، أم يبقى القرار عنواناً سياسياً بلا تنفيذ؟ المرحلة المقبلة وحدها ستكشف إن كنا أمام بداية استعادة الدولة لدورها الكامل، أم أمام استمرار مسار استنزافي يسرّع في تآكل ما تبقّى من قدرة هذا البلد على الصمود.