Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر January 30, 2026
A A A
هزات متتالية في لبنان… هل من داعٍ للقلق والهلع؟
الكاتب: ربى أبو فاضل - الديار

رغم أن لبنان ليس من بين أكثر المناطق زلزالية في العالم، فإن موقعه الجيولوجي بين الصفائح التكتونية الأفريقية والعربية، يجعله عرضة لهزات أرضية متكررة، منها المحدود ومنها قد تتسبب بأضرار واسعة تهدد الأرواح والممتلكات. فسجل التاريخ يشير إلى وقوع عدة زلازل مدمرة أثرت في المدن والقرى اللبنانية، وتركت بصمات مادية ونفسية في الذاكرة الجماعية.

وخلال كانون الثاني 2026 شهدت البلاد سلسلة هزات متفاوتة القوة، أبرزها هزة بقوة 4.1 درجات شعر بها سكان بيروت ومناطق عديدة، وهزات أخرى تراوحت بين 2.4 و3.5 درجات في البقاع والشمال وساحل الدامور، ولم تسجل أضرار.

تأثير الزلازل يختلف من منطقة لأخرى

الخبير الجيولوجي الدكتور طوني نمر أكد لـ “الديار” أن “الهزات الصغيرة الأخيرة ظاهرة طبيعية جدا، وكانت تحدث سابقا، لكن لم يلتفت إليها أحد. أما اليوم فمزيد من المتابعة الإعلامية والشعبية جعلها تبدو أكثر إثارة للقلق”، وأوضح أن “هذه الهزات لا تشير بالضرورة إلى اقتراب زلزال كبير، فالغالبية العظمى من الزلازل الكبرى تحدث فجأة ، ولا يمكن التنبؤ بها مسبقا”.

وأوضح أن “لبنان يمر بعدة فوالق زلزالية، أبرزها اليمونة الروم راشيا وسرغايا، وهي متفرعة من فالق البحر الميت، الذي يمتد من خليج العقبة إلى جنوب تركيا بطول نحو 1000 كم، وينقسم في لبنان إلى الفوالق التي ذكرتها سابقا”، وأضاف أن “الهزات الأخيرة بدأت في منطقة البحر الميت، وسجلت في لبنان خلال الأسبوعين الماضيين على فالق سرغايا، بالإضافة إلى هزات صغيرة على الفالق الشرقي، وفالق اليمونة وهزات أخرى على فوالق مختلفة”، مؤكداً أن “جميع هذه الهزات صغيرة ومتكررة، وليست مثيرة للقلق”.

وأشار إلى أن “تأثير الزلازل يختلف من منطقة إلى أخرى، بحسب قرب الأبنية من مركز الزلزال ونوعية التربة والصخور تحت المباني” لافتاً إلى أن “لبنان شهد تاريخيا العديد من الزلازل الكبرى، منها زلزال 551 بين لبنان وقبرص وزلزال 1202 على فالق اليمونة وزلازل 1759 على فوالق راشيا وسرغايا وزلزال 1837 على فالق روم، وكانت شدتها تتراوح بين 6.6 و7.5 درجات”، وأضاف أن مسببات الزلازل التاريخية ما زالت موجودة ما قد يؤدي إلى حدوث زلازل مستقبلية لكنه شدد على أن الهزات الصغيرة الحالية تحدث بشكل طبيعي بغض النظر عن وقوع زلزال أكبر.

خطط الطوارئ ضعيفة

وأكد إلى أن “التنبؤ الدقيق بالزلازل غير ممكن، وأن أي محاولة لتحديد زمن محدد لزلزال معين ليست علمية، فالفترات بين الزلازل التاريخية تتراوح بين عقود وألف سنة”، وأوضح أن “أنظمة الإنذار المبكر كما في اليابان وأميركا والمكسيك، تعمل بعد بدء الزلزال، وتوفر وقتا قصيرا للتصرف قد يصل إلى 40–50 ثانية، إذا كان الزلزال بعيدا نحو 100 كم، وأن أنظمة مماثلة للتسونامي ليست معممة في البحر المتوسط حاليا”.

واشار الى أن “خطط الطوارئ في لبنان ضعيفة، وغالبا ما تكون نظرية، وأن أي خطة تحتاج إلى تنفيذ مضبوط ومتابعة دقيقة، لتكون ناجعة في الحالات الطارئة”، ودعا المواطنين إلى “التركيز على حياتهم اليومية والالتزام بإرشادات السلامة، بدل متابعة كل هزة صغيرة أو نشر أخبار غير مؤكدة”.

واوضح أن “الأطفال يجب أن يتعلموا النزول تحت الطاولة، وتجنب الاقتراب من الجسور أو المباني المتضررة، مع البقاء في مكان آمن ومتابعة التعليمات الرسمية”، وأضاف “أن المدارس يجب أن تدرس سنويا أساسيات الزلازل وسلوكيات السلامة، مع توجيه الطلاب لنقل المعلومات إلى العائلة والمجتمع، كما يجب على البلديات تقييم المباني وتحديد المناطق الأكثر عرضة، والإعلام نقل الأخبار الدقيقة لتجنب الشائعات”.

أما عن الابنية الأكثر تحملا للزلازل، أشار إلى أن “المباني التي شيدت بعد عام 2000–2005 وفق توصيات نقابة المهندسين، قادرة على تحمل الزلازل المتوسطة إذا تم بناؤها وفق المواصفات، خصوصا في المناطق الصخرية، بينما المباني الأقدم أو المبنية على تربة ضعيفة، تتأثر أكثر بالهزات ويزداد التأثير كلما تقدم عمر البناء”.

80% من المباني

لا تطابق معايير السلامة

بدوره، أكد المهندس المدني الاستشاري بيار شفيق أبي راشد المتخصص في الأبنية والأشغال العامة لـ “الديار”، أن “غالبية الأبنية في لبنان غير مقاومة زلزالياً. وتشير الدراسات إلى أن نحو 80% من المباني لا تطابق معايير السلامة، خصوصاً الأبنية القديمة أو المشيدة دون رقابة فعلية حيث وصف بعضها بأنها “قنابل موقوتة” بسبب ضعف التصميم والتنفيذ والمواد المستخدمة”.

وأوضح أن “إدراج معايير مقاومة الزلازل بدأ عام 2004 ، وتطبيقها الفعلي انطلق بعد مرسوم السلامة العامة 2012 وتوسع تدريجياً حتى 2016 ، إلا أن ضعف الرقابة والغش في المواد يجعل سلامة الأبنية الحديثة غير مضمونة . وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن أقل من 20% من العمران بني وفق المعايير الكاملة”، وأكد أن “لبنان يقع على فوالق نشطة ، وقد شهد تاريخيا زلزالا قوياً بلغت شدته نحو 7.2 درجات، وتظهر الدراسات الحديثة احتمال تعرض بعض المناطق لتسارع أرضي يصل إلى أكثر من 0.25g ، ما قد يسبب أضراراً جسيمة للأبنية الضعيفة”.

الوعي العلمي أهمّ من الهلع

وفي ما يتعلق بقدرة البنى التحتية العامة أوضح أن “الجهات الرسمية لا تنشر بيانات دقيقة حول مدى مقاومتها للزلازل، إلا أن آراء خبراء تجمع على ضعف تحصينها، لا سيما البنى التحتية القديمة أو غير المحسنة، إضافة إلى وجود ثُغر في جهوزية بعض المستشفيات والمرافق الحيوية، سواء على مستوى خطط الطوارئ أو القدرة التشغيلية”.

وأوضح أنه “في حال وقوع زلزال متوسط (نحو 6 درجات)، قد تصمد الأبنية الحديثة بعد عام 2012 مع أضرار جزئية، فيما تبقى الأبنية القديمة أو غير الخاضعة للرقابة، عرضة لأضرار كبيرة أو انهيارات جزئية، أما زلزال قوي يتجاوز 7 درجات، فيتوقع معه دمار واسع وتعطل كبير للبنى التحتية الحيوية، مثل المستشفيات والطرق والاتصالات”.

وينصح بفحص المباني مع مهندس إنشائي وإجراء الصيانة الدورية ، وتثبيت الأثاث الثقيل، وتأمين نقاط الاحتماء، والتعرف إلى سلوكيات السلامة مثل Drop–Cover–Hold ، والمطالبة بتطبيق الكودات الهندسية بشكل فعلي، ودعم برامج تقييم الأبنية القديمة والبنى التحتية، إضافة إلى تعزيز التوعية والتدريب على الحماية والإخلاء في المدارس والجامعات، بالتعاون مع البلديات وتحديد مراكز للتجمع والإيواء.

 

وختم أبي راشد حديثه بالقول “الوعي العلمي أهم من الهلع، فالمعرفة المبنية على أرقام حقيقية تعزز فرص السلامة، في حين أن الشائعات وتوقعات الزلازل غير الدقيقة تزيد القلق بلا فائدة”.