Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر August 4, 2026
A A A
٤ آب… الحقيقة المغيّبة والأسئلة التي ترفض أن تموت
الكاتب: بشرى سعد - موقع المرده

 

 

في الرابع من آب، لا يستعيد اللبنانيون ذكرى انفجار دمّر العاصمة واوقع مئات الضحايا، بل يعودون إلى جرح لم يلتئم، وإلى حقيقة لا تزال معلقة بين السياسة والقضاء والمصالح المتشابكة. ففي كل عام تتكرر مراسم إحياء الذكرى، لكن السؤال يبقى نفسه: أين الحقيقة؟

ليس الانفجار مجرد حادثة عابرة في تاريخ لبنان، بل هو إحدى أكبر الكوارث غير النووية في العالم، حصد مئات الضحايا، وشرّد الآلاف، ودمّر أحياء بكاملها، وأصاب قلب بيروت في الصميم. ومع ذلك، ما زال التحقيق يراوح مكانه، فيما تتناسل العراقيل والدعاوى والضغوط، وكأن العدالة أصبحت هي الضحية الأولى.

في ذكرى الرابع من آب، لا بد من طرح أسئلة لا يحق لأحد إسكاتها:

من استورد نيترات الأمونيوم؟ ولأي غاية؟ من سمح ببقائها سنوات في العنبر رقم 12 رغم التحذيرات المتكررة؟ من كان يعلم بحجم الخطر، ولماذا لم يتحرك؟ من يتحمل المسؤولية السياسية والإدارية والأمنية؟ ومن المستفيد من دفن الحقيقة وإبقاء اللبنانيين أسرى الشكوك؟

أسئلة لا تستهدف الانتقام، بل تسعى إلى تحقيق العدالة. فلا دولة يمكن أن تستقيم إذا بقيت أكبر جريمة شهدتها من دون محاسبة، ولا وطن يمكن أن ينهض فيما أهالي الضحايا يتنقلون بين المحاكم والوعود، منتظرين حكماً يعيد إليهم بعضاً من حقهم.

لقد تحوّل التحقيق إلى مرآة لأزمة الدولة اللبنانية نفسها، حيث تتقاطع الحصانات مع النفوذ، وتتقدم الحسابات السياسية على حق الناس في معرفة الحقيقة. وكل يوم يمر من دون كشف الوقائع الكاملة، يرسخ شعوراً بأن العدالة مؤجلة، وربما ممنوعة.

وفي المقابل، أثبت أهالي الشهداء أن الذاكرة أقوى من النسيان، وأن الحق لا يسقط بالتقادم. فهم لم يتوقفوا عن المطالبة بالحقيقة، لأنهم يدركون أن القضية لم تعد قضية عائلات فقدت أبناءها فحسب، بل قضية وطن يريد أن يعرف كيف قُتل أبناؤه، ومن قتلهم، ولماذا.

في الرابع من آب، لا يكفي أن نضع الزهور أو نضيء الشموع. المطلوب أن تُضاء الحقيقة. فالعدالة ليست مطلباً سياسياً، بل حق إنساني، والحقيقة ليست ترفاً، بل شرطاً لبناء دولة تحترم مواطنيها.

سيبقى الرابع من آب تاريخاً يذكّر اللبنانيين بأن الجرح لم يندمل، وأن الحقيقة، مهما طال تغييبها، لا تموت، وأن العدالة، وإن تأخرت، ستبقى المطلب الذي لا يمكن التنازل عنه.