Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر October 26, 2026
A A A
مقاومة الاحتلال حقٌّ يستند إلى الحرية وحماية المجتمع

كتب د. علي محمود الموسوي:

تطرح ملاحقة من يحمل السلاح لمقاومة الاحتلال سؤالا يتجاوز تنظيم السلاح إلى وظيفة الدولة ومعنى السيادة نفسها. فالدولة تستمد مشروعيتها من حماية مجتمعها وصون أرضها واستقلالها، وتكتسب سلطتها على وسائل القوة معناها من قدرتها على أداء هذه المهمة. ولذلك، يصبح تجريم فعل المقاومة موضع اعتراض جدي عندما يستمر الاحتلال، ويتعرض السكان للعدوان، وتغيب الحماية الفعلية. فالمطالبة باحترام سلطة الدولة تقتضي، في المقابل، مساءلتها عن مسؤوليتها في تأمين الشروط التي تتيح للناس العيش بأمان فوق أرضهم.

يستند الدفاع عن المقاومة، أولا، إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها، الذي كرّسه ميثاق الأمم المتحدة وأكدته قرارات تصفية الاستعمار. ويقوم هذا الحق على رفض إخضاع الشعوب بالقوة وحرمانها من اختيار مستقبلها السياسي. وقد دعمت قرارات الجمعية العامة نضال الشعوب الخاضعة للاستعمار والسيطرة الأجنبية، وأكد بعضها مشروعية الكفاح المسلح في سياقات التحرر الوطني. ورغم اختلاف القيمة القانونية لهذه النصوص ونطاق تطبيقها، فإنها تؤسس لحجة واضحة: الاحتلال وضع غير مشروع، والسعي إلى إنهائه يستمد مشروعيته من حق الشعب في الحرية والاستقلال.

وتستند الحجة الثانية إلى التمييز بين القوة المستخدمة لفرض السيطرة والقوة الموجهة إلى مقاومتها. فالتعامل مع كل سلاح باعتباره ظاهرة واحدة يحجب اختلاف الغاية والسياق والهدف. والسلاح الذي يستهدف إخضاع المجتمع يختلف، في أساس تبريره، عن السلاح المستخدم لدفع الاحتلال وحماية السكان. ويقتضي التقييم المنصف فحص الأفعال وأهدافها وظروفها، عوض الاكتفاء بوجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية سببًا كافيًا لإدانة فعل المقاومة أو مساواته بالاعتداء. كما يقتضي النظر إلى الطرف الذي بدأ انتهاك السيادة، وإلى استمرار الخطر الذي يواجهه المجتمع.

وتنبع الحجة الثالثة من مسؤولية الحماية. فعجز الدولة عن ردّ العدوان يترك السكان أمام خطر واقعي لا تعالجه الدعوة المجردة إلى انتظار المؤسسات. ويزداد الوزن الأخلاقي والسياسي للمقاومة عندما تكون الأرض محتلة، والاعتداءات مستمرة، والوسائل المتاحة عاجزة عن توفير الأمان. وفي هذه الظروف، يصبح الاعتراض على تجريد المجتمع من قدرته الدفاعية اعتراضًا على تركه مكشوفا أمام القوة المعتدية. أما المادة 51 من الميثاق فتتناول أساسًا دفاع الدول عن نفسها، ولذلك لا يصح تحويلها وحدها إلى ترخيص عام للأفراد، فيما تبقى حجة مقاومة الاحتلال أوسع من الاستناد إليها منفردة.

وتعزز مفاهيم الدفاع المشروع والضرورة هذا النقاش، خصوصا إزاء خطر جسيم ومباشر يتعذر دفعه بوسيلة أخرى. غير أن تطبيقها القانوني يتطلب فحص الوقائع وشروط القانون المعني؛ فلا تشكل حصانة تلقائية لكل حامل سلاح. وتكمن أهميتها في رفض الحكم المجرد الذي يفصل الفعل الدفاعي عن الخطر الذي استدعاه. فالقضاء العادل مطالب بالتمييز بين الاعتداء والدفاع، وبين توظيف السلاح لمصلحة خاصة واستخدامه لحماية حياة مهددة أو مواجهة قوة احتلال.

وتقوى حجة المقاومة بوضوح التزامها بحماية المدنيين واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني. فمشروعية الغاية تقترن بمسؤولية الوسيلة، والتمسك بهذه الضوابط يمنح الدفاع عن التحرر اتساقه الأخلاقي والقانوني. ثم إن حق تقرير المصير لا يمنح تلقائيا إعفاءً من القوانين الوطنية، لكنه يفرض أخذ سياق الاحتلال وحقوق السكان مأخذ الجد عند تقييم الملاحقات.

تكتسب الدولة سيادتها الكاملة بتحرير أرضها وحماية شعبها. ومن ثم، فإن معالجة سلاح المقاومة تقتضي بناء قدرة دفاعية موثوق بها تواجه الاحتلال وتؤمّن الناس. ويظل جوهر الحجة الداعمة للمقاومة أن الشعوب صاحبة حق في الحرية، وأن تنظيم القوة ينبغي أن يخدم هذا الحق ويصونه، وأن سلطة الدولة تبلغ مشروعيتها الأعمق عندما تجعل حماية المجتمع أساس قراراتها.