Beirut weather 34 ° C
تاريخ النشر August 12, 2026
A A A
معضلة مضيق هرمز: آفاق التسوية العُمانية ـ الإيرانية واختبار «بدل الخدمات» في استراتيجية ترامب

كتب حسن حردان 

 

يشهد الممر المائي الأكثر حساسية في العالم، مضيق هرمز، مرحلة حرجة من المفاوضات غير المباشرة وكسر الإرادات. وفي ظلّ تمسك طهران بشروطها الاستراتيجية لفتح الممرّ وربطها بأبعاد سياسية وعسكرية أوسع، والتوصّل إلى إطار عمل تفاهمي مع سلطة عُمان لهيكلة الإدارة الملاحية وتوزيع مهام التنسيق بين الجانبين، تبرز تساؤلات كبرى حول مدى قدرة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هضم هذا التطور، خصوصاً مع طرح صيغ ذكية بديلة للرسوم مثل “أجور الخدمات الأمنية والإرشادية وحماية البيئة”.

*أولاً: الاتفاق الإيراني ـ العُماني… تفكيك العقدة الفنية أم بقاء الجمود السياسي؟

تمثل التفاهمات الأخيرة بين طهران ومسقط محاولة جادة لصياغة إطار فني وقانوني لإدارة حركة السفن (حيث تُنسق إيران حركة دخول السفن للخليج بينما تشرف عُمان على السفن الخارجة. ومع أنّ هذا الإطار يأتي ضمن روح التفاهمات المؤقتة السابقة، إلا أنّ الموقف الإيراني الرسمي ظلّ حاسماً في نقطتين رئيسيتين:

فصل المسارات: التأكيد الإيراني على أنّ الاتفاق مع عُمان أو وضع مسارات بديلة لا يعني بالضرورة الفتح الفوري والكامل للمضيق بمعزل عن تنفيذ واشنطن لالتزاماتها بوقف الحصار البحري والالتزام بمذكرة التفاهم.

عقدة التكلفة والرسوم: اصطدمت الترتيبات الفنية برغبة طهران في استيفاء عوائد مالية (أُشير إلى أنها قد تعادل نسباً من قيمة الحمولة)، وهو ما رفضته الولايات المتحدة قطعياً بحجة ضمان حرية التجارة ورمزية الممر المائي.

*ثانياً: صيغة “بدل الخدمات والأمن البيئي”… المخرج الأذكى أم فتيل أزمة جديدة؟

مع تعثر فرض مسمّى “الرسوم السيادية أو الجمركية”، برزت خلف الكواليس الدبلوماسية صيغة بديلة تتمثل في تحويل هذه العوائد إلى “أجور مقابل خدمات إرشادية، تنظيم ملاحي، وحماية بيئية وأمنية” تقدّمها الدول المطلة على المضيق.

من الناحية القانونية الدولية: تمنح اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار هامشاً لدول الشواطئ لتقاضي أجور عادلة نظير “خدمات فعلية” (كالإرشاد البحري وتفادي التصادم).

من الناحية الأميركية: تتيح هذه الصيغة لترامب تسويق الأمر للشارع الأميركي وشركات الطاقة على أنها “فواتير تشغيلية لضمان سلامة العبور ودرء الألغام” وليست “إتاوات سياسية”، شريطة أن تكون محدّدة، وأن تديرها آليات مشتركة (عُمانية – إيرانية) .

*ثالثاً: الاحتمالات والسيناريوات لخيارات ترامب في مواجهة الشروط الإيرانية،

بناءً على المعطيات الراهنة لتمسك طهران بشروطها وابتكار مسارات الإدارة العُمانية، تتحدّد خيارات ترامب في السيناريوهات الآتية:

1 ـ سيناريو “الصفقة البراغماتية الصامتة” (القبول ببدل الخدمات ضمن ترتيبات مؤقتة)،

الآلية: إذا نجح الوسطاء (عُمان وقطر) في صياغة بند قانوني وتقني يحيّد مسمّى “الرسوم السيادية” ويستبدلها بـ “أجور خدمات ملاحية وبيئية” تدار عبر حسابات ومظلة مشتركة، فقد يبتلع ترامب الطعم البراغماتي.

النتائج: يتمّ فتح المضيق تدريجياً، تتراجع أسعار النفط عالمياً، وتتجنّب الإدارة الأميركية كلفة حرب باهظة قبيل الانتخابات النصفية، مقابل منح إيران مكسباً اقتصادياً ومعنوياً محدوداً مغلفاً بطابع فني.

2 ـ سيناريو “حرب الأعصاب والضغط الأقصى المتجدّد”،

الآلية: إذا أصرّت طهران على فرض نسب مالية مرتفعة أو تمسكت بشروط سياسية (كإجبار واشنطن على دفع تعويضات حرب أو رفع كامل العقوبات دفعة واحدة)، فسيرفض ترامب التسوية كلياً.

النتائج: سيلجأ ترامب إلى تصعيد الحرب النفسية، والتلويح الدائم بالقوة العسكرية الخاطفة، وتكثيف الدوريات والمواكبة البحرية لحماية ناقلات النفط عبر ممرات بديلة، مما يبقي الاقتصاد العالمي رهينة لحالة “لا حرب ولا سلم”… لكن هذا الخيار سيبقي ترامب في مأزق عدم القدرة على فتح المضيق.

3 ـ سيناريو “الصدام العسكري الخاطف المباغت”،

الآلية: في حال أقدَمت طهران على فرض وقائع ميدانية بالقوة أو استهداف ناقلات بحرية لفرض سيادتها على الممر، قد تُسقط القيادة الأميركية خيار التفاوض برمته من الطاولة.

النتائج: لجوء البنتاغون إلى ضربات جوية وبحرية واسعة النطاق ومكثفة لتدمير البنى التحتية المتبقية المرتبطة بالإغلاق والملاحة الإيرانية، لفرض فتح المضيق بالقوة العسكرية المحضة بغض النظر عن التداعيات السياسية الإقليمية المؤقتة… غير انّ هذا الخيار جرب ولم يؤدّ الى فتح المضيق.

انطلاقاً مما تقدّم يقف دونالد ترامب أمام معادلة دقيقة. إذا كانت طهران تراهن على الإمساك بورقة هرمز والشروط والالتزامات مقابل فتحه، فإنّ ترامب يراهن على لغة الصفقات وقضم العوائق خطوة بخطوة؛ وعليه، فإنّ تحويل الاشتراطات إلى “بدل خدمات ملاحية وبيئية تحت مظلة عُمانية” قد يمثل المخرج الوحيد المتبقي لتمرير الاتفاق وتجنب الانفجار الكبير…