Beirut weather 22.43 ° C
تاريخ النشر May 15, 2026
A A A
قمة بكين نقطة تحول
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

اشتغلت ماكينة إعلامية لتهميش احتمالات أن ينتج عن قمة بكين بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، ما يشكل بداية النهاية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فقد تحدث البعض عن هامشية مكانة الملف الإيراني بين ملفات العلاقات الثنائية، متجاهلين أن أزمة الطاقة والاقتصاد العالمي تهدد بانفجار يخرج عن السيطرة يصيب كل الاقتصادات الكبرى والبورصات والمصارف والشركات، وتحدث بعض آخر عن اهتمام الصين بملف تايوان إلى حد الاستعداد لمقايضة تنازلات أميركية في تايوان بالتخلي عن إيران، وهؤلاء يعتقدون ضمناً أن الصين قلقة من تايوان أو من دعم أميركا لتايوان وغير واثقة من قدرتها على احتواء أي توقعات سلبية تحدث هناك، كما يبدو أن هؤلاء يعتقدون أن الصين تكتفي بأمن الشرق الأقصى وتتخلى عن دور الدولة العالمية كما نصت توصيات مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني وصرح الرئيس الصيني مراراً، ولو كان هؤلاء على حق لما كانت الصين استخدمت حق الفيتو ضد مشروع قرار أميركي حول مضيق هرمز يقوم على إدانة إيران.

 

بخلاف تمنيات ورغبات وتوجيهات هؤلاء، تبدو قمة بكين بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ وكأنها وضعت للمرة الأولى منذ اندلاع أزمة هرمز إطاراً سياسياً متكاملاً للخروج من مناخ الحرب والانتقال نحو مسار تفاوضي متعدد المراحل. ولكن باستخدام جمل مفتاحية رمزية يمكن قراءة ما وراءها، فالكلمات التي صدرت عن ترامب وشي ووزير الخارجية الصيني وانغ يي ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لم تكن مجرد تصريحات متفرقة، بل بدت كأنها أجزاء من خريطة طريق جديدة عنوانها: إنهاء عسكرة هرمز أولاً، ثم العودة إلى التفاوض، ثم الانتقال إلى ترتيبات إقليمية أوسع تتولّى دول المنطقة إدارتها بنفسها.

 

“هرمز غير عسكري”، العبارة الأبرز التي خرجت من أجواء قمة بكين كانت ما نُقل عن اتفاق ترامب وشي على أن يبقى مضيق هرمز “مفتوحاً وغير عسكري”. وهذه العبارة تحمل معنى يتجاوز مجرد حماية الملاحة البحرية، لأنها تعني عملياً رفض تحويل المضيق إلى ساحة اشتباك عسكري دائم، سواء رفض الإغلاق، أو رفض الحصار الأميركي، ورفض الحشد البحري الذي حوّل المضيق خلال الأسابيع الماضية إلى ما يشبه خط تماس عالمي. والحديث عن “هرمز غير عسكري” يعني عملياً العودة إلى منطق الممر التجاري المفتوح لا الممر الخاضع لمنطق الحرب والعقوبات والردع المتبادل. وهو ما يفسّر تركيز الصين المتكرر على “إعادة فتح المضيق سريعاً” ووقف إطلاق النار، باعتبار أن استمرار عسكرة هرمز يهدّد الاقتصاد العالمي قبل أن يهدد أطراف الصراع أنفسهم.

 

“مرحلتان: التهدئة أولاً والنووي لاحقاً”، الكلام الذي صدر عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حول أولوية فتح هرمز ووقف النار قبل الانتقال إلى الملفات الأخرى، يبدو متطابقاً بصورة لافتة مع ما تردد عن الورقة الإيرانية الأخيرة التي اقترحت عملياً تأجيل الملف النووي إلى مرحلة ثانية بعد تثبيت التهدئة وكسر الحصار. وهذا التطابق مهم لأنه يكشف أن التفاوض الجاري لم يعد يدور حول “استسلام إيراني” كما كانت تطرح واشنطن سابقاً، بل حول ترتيب أولويات جديد يبدأ بمنع الانفجار العسكري وضمان تدفق الطاقة، ثم الانتقال لاحقاً إلى الملف النووي والتخصيب والعقوبات. وهنا تظهر الصين كطرف قادر على لعب دور الضامن أو المساعد، لأن بكين ليست فقط أكبر مستورد للنفط الخليجي والإيراني، بل هي أيضاً الطرف الأكثر مصلحة في منع انهيار التجارة والطاقة العالميتين بسبب استمرار التوتر في هرمز.

 

“إسلام آباد والعودة إلى التفاوض”، في هذا السياق يكتسب الحديث عن استئناف المفاوضات في إسلام آباد أهمية خاصة، واللافت أن الصين لم تعد تظهر كمراقب بعيد، بل كطرف مستعدّ “للمساعدة”، وفق التعبير الذي نقله ترامب عن شي جين بينغ. وهذه “المساعدة” لا تبدو تقنية أو شكلية، بل سياسية بامتياز، لأن بكين باتت عملياً تمتلك مفاتيح التأثير الاقتصادي على إيران والخليج معاً، وتملك في الوقت نفسه القدرة على التحدث مع واشنطن من موقع الندية لا التبعية، وهي تدرك محدودية الخيارات الأميركية، وحاجة أميركا إلى ضمانات صينية تمنحها حفظ ماء الوجه بعدم تحقيق النصر الموعود، ومن هنا تبدو إسلام آباد أقرب إلى محطة تفاوض آسيوية جديدة تشارك الصين في رعايتها السياسية غير المباشرة، خصوصاً مع التقاطع الصيني الباكستاني الواضح في ملف أمن الممرات والطاقة.

 

“المنطقة لأهلها” هي العبارة الأكثر عمقاً، فكانت ما قاله وزير الخارجية الصيني وانغ يي من أن “دول الخليج والشرق الأوسط يجب أن تتولى مستقبلها بأيديها”. فهذه العبارة ليست مجرد دعوة دبلوماسية عامة، بل تحمل تصوراً سياسياً متكاملاً لمستقبل المنطقة بعد مرحلة الحروب الكبرى. والمقصود هنا عملياً أن أمن هرمز وكيفية إدارته، وأمن الخليج والطاقة لم يعد يجب أن يبقى رهينة الوجود العسكري الأميركي أو منطق الأحلاف الدولية، بل أن يتحول إلى ملف إقليمي تديره دول المنطقة نفسها عبر التفاوض والتفاهمات المتبادلة.

 

هنا نقف أمام اتفاق يقوم على مراحل: وقف الحرب وإنهاء عسكرة هرمز، والعودة إلى التفاوض حول الملف النووي بضمانة صينية، ثم الانتقال إلى ترتيبات إقليمية تشمل ملفات أوسع تتصل بإيران وحلفائها والنزاعات المفتوحة في المنطقة، ومن ضمنها مستقبل إدارة مضيق هرمز. وهكذا تبدو قمة بكين كأنها دشنت بداية انتقال من مرحلة “إدارة المنطقة بالقوة” إلى مرحلة “إدارة التوازنات بالتفاوض”، ولو أن الطريق ما زال طويلاً ومفتوحاً على احتمالات التصعيد والانتكاس.