Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر October 24, 2026
A A A
الضفة الغربية إلى أين؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

تضع عملية الخليل، التي أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، وتهديد بنيامين نتنياهو بإطلاق حملة عسكرية واسعة في الضفة الغربية، سؤالاً يتجاوز العملية والرد عليها: إلى أين تتجه الضفة؟ لأن العملية تكشف حدود الرهان على الردع، والتهديد يكشف إصرار القيادة الإسرائيلية على معالجة فشل القوة بمزيد منها. وبينهما يقف ملايين الفلسطينيين أمام مشروع يغلق أفق الدولة، ويضيّق شروط الحياة، ويدفع نحو الضم والتهجير. هكذا تتجمّع عناصر مواجهة تتجاوز جولة عسكرية جديدة إلى صراع على الأرض والبقاء.

 

يأتي التصعيد عشية الانتخابات الإسرائيلية، حيث تشكل كتلة المستوطنين قاعدة حاسمة لليمين. وقد جمع نتنياهو، عقب العملية، بين الوعيد العسكري والإشادة بالمستوطنين وتوسيع مستوطناتهم. وفي هذا الجمع تتضح وجهة السياسة: تحويل المواجهة إلى فرصة لاستنهاض الجمهور الانتخابي، وتحويل الاستيطان إلى جواب على العمليات الفلسطينية. وكلما تعثر الأمن، تقدّم الاستيلاء على الأرض باعتباره حلاً، فتنتج السياسة نفسها أسباباً إضافية لانعدام الأمن. وتصبح الضفة ساحة يتداخل فيها مشروع اليمين العقائدي مع حاجة نتنياهو إلى صورة الحسم واستعادة المبادرة.

 

تحت هذا السقف، يؤدي عنف المستوطنين وظيفة واضحة. فالاعتداء على المزارعين، ومنع قطف الزيتون، وإحراق الممتلكات، ومهاجمة التجمعات الريفية، تجعل البقاء الفلسطيني أكثر كلفة وصعوبة. وقد وصفت منظمة العفو الدولية هذه الممارسات بأنها جزء من حملة تدعمها المؤسسات الحكوميّة للتهجير القسري وتغيير الواقع السكاني تمهيداً للضم. ويتقدّم المشروع عبر إنهاك الناس في تفاصيل حياتهم، ودفعهم إلى الاختيار بين الرحيل ومواجهة اعتداءات متكررة. وعندما تصبح الأرض والبيت ومصدر الرزق أهدافاً يومية، تتسع دائرة الذين يرون المواجهة دفاعاً مباشراً عن وجودهم.

 

يراهن اليمين على أن نموذج غزة سيحسم هذا الاختيار لمصلحة الخضوع. فالفلسطيني الذي شاهد حجم القتل والدمار، وفق هذا الرهان، سيقبل ما يُفرض عليه اتقاءً لتكرار الكارثة. لكن التجربة الفلسطينية بدأت بنكبة 1948، ولم تنتهِ عندها. أنتج الاقتلاع ذاكرة وطنية وصراعاً متواصلاً، وتعلم الفلسطينيون أن الرحيل قد يتحول إلى نفي دائم، وأن الاحتفاظ بمفاتيح البيوت لا يكفي لاستعادتها. لذلك صار التشبث بالأرض خلاصة تجربة تتوارثها الأجيال، وصارت المقاومة تعبيراً عن رفض تكرار المصير الذي عاشه الآباء والأجداد.

 

تكوّن هذا الوعي عندما كانت حكومات عربية تتمسّك بقضية فلسطين وتعد بتحريرها، ومع ذلك بنى الفلسطينيون حركتهم الوطنية وخيارات مقاومتهم. واليوم، مع تراجع الضمانات العربية والدولية، تتعزز قناعة الاعتماد على الذات. فالتهديد بالتهجير يستدعي ذاكرة النكبة، ويجعل البقاء أولوية وجودية. وكلما أُغلق المسار السياسي، وضعفت قدرة المؤسسات على حماية الناس، انتقلت المبادرة إلى الأفراد والمجموعات المحلية. هنا تجد العمليات الفردية، التي تُسمّى «الذئاب المنفردة»، بيئتها في شعور متراكم بأن انتظار الحماية يترك الأرض وأصحابها مكشوفين.

 

قدمت واقعة الشيخ فاروق رمضان في قرية تل، جنوب غرب نابلس، صورة لهذه البيئة. فبحسب التقارير المنشورة، انتزع سلاح أحد الضباط المتقاعدين من حراس المستوطنين واستخدمه خلال التصدّي للهجوم على البلدة، قبل استشهاده. تكشف الواقعة كيف يمكن للاعتداء أن يولّد مواجهة خارج الحسابات الأمنية المسبقة. وتأتي عملية الخليل لتعيد طرح السؤال عن قدرة الانتشار العسكري والاقتحامات على منع تجدّد العمليات. فحين تتسع أسباب الغضب داخل المجتمع، تصبح ملاحقة البنى التنظيمية وحدها عاجزة عن احتواء كل احتمالات الانفجار.

 

يمنح اتساع التضامن العالمي الفلسطينيين سنداً معنوياً للثبات. تصل صور الاعتداءات إلى جمهور أوسع، وتتقدّم مساءلة الاستيطان والتهجير في النقاش الدولي. وقد طالت اعتداءات المستوطنين أخيراً دبلوماسيين أوروبيين وصحافية أميركية، فكشفت جانباً مما يعيشه الفلسطينيون يومياً. وبالتوازي، يمكن قراءة اندفاع القيادة الإسرائيلية نحو الضفة بوصفه بحثاً عن ساحة لتعويض تعثر الحسم في لبنان وإيران واليمن، واستمرار مأزق غزة؛ ساحة يبدو فيها التفوق العسكري أوسع، ويبدو تسويق الإنجاز أمام الجمهور أسهل.

 

لكن القدرة على الاجتياح لا تجيب عن سؤال الحسم. يستطيع الجيش اقتحام المدن، وتستطيع الحكومة توسيع المستوطنات، ويبقى الفلسطينيون على أرضهم وتبقى أسباب الصراع حاضرة. لذلك تحمل عملية الخليل وتهديد نتنياهو دلالة تتجاوز يومهما: الضفة أمام تصعيد يريد فرض نهاية بالقوة، وشعب يرى في هذه النهاية اقتلاعاً جديداً يرفضه. وكلما تقدم مشروع الضم والتهجير، تراجعت فرص الهدوء واتسعت احتمالات المواجهة. إلى أين؟ نحو الاشتعال الكبير، ما دام الرد الإسرائيلي على فشل الردع هو مضاعفة السياسات التي تصنع الانفجار.