Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر October 24, 2026
A A A
دلالات عملية الخليل وأبعاد تصعيد نتنياهو…

كتب حسن حردان 

 

تأتي التطورات المتسارعة في الضفة الغربية، وفي قلبها عملية الخليل النوعية والتصريحات الصادرة عن رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو حول إطلاق “عملية عسكرية غير مسبوقة منذ عام 1967″، لتضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من التصعيد الشامل. لا يمكن قراءة هذه التهديدات بعيداً عن السياق الميداني الذي ينذر بانفجار جبهة جنوب الضفة، ولا بمعزل عن المأزق السياسي والانتخابي المعقد الذي يكبّل نتنياهو ويقوّض شعبيته المتراجعة. بين حسابات الردع الميداني ومقتضيات البقاء السياسي، تتشكّل ملامح استراتيجية “إسرائيلية” قائمة على تصدير الأزمات والمغامرة بالأمن لتحقيق مكاسب في صناديق الاقتراع.

أولاً: الدلالات الميدانية لعملية الخليل… انزياح المواجهة وتفكك الرهانات،

تكتسب عملية الخليل أهمية استراتيجية استثنائية بالنظر إلى الوزن الديمغرافي والجغرافي والاقتصادي الذي تشكله محافظة الخليل في معادلة الضفة الغربية. وتتجلّى دلالات هذه العملية في عدة نقاط جوهرية:

اتساع رقعة الاشتباك نحو الجنوب: طالما راهنت المنظومة الأمنية للاحتلال على سياسة “الهدوء النسبي” واحتواء جنوب الضفة عبر أدوات الضغط الاقتصادي والعزل الجغرافي. جاءت العملية لتعلن رسمياً انتقال جذوة العمل المسلح من شمال الضفة (جنين ونابلس وطولكرم) إلى جنوبها، مما ينسف استراتيجية “جزئية المواجهة” ويُربك انتشار جيش الاحتلال.

هشاشة المنظومة الاستخبارية والأمنية: كشفت تفاصيل العملية ـ من حيث جرأة التنفيذ واستهداف نقطة حيوية، وصولاً إلى استمرار الاشتباك وتكبيد قوات الاحتلال خسائر في الأرواح من عناصر وحدات النخبة والإنقاذ عن ثغرات أمنية عميقة. هذا الخلل الاستخباري للعدو أثبت عجز الإجراءات الوقائية أمام التكتيكات المتطورة للمقاومة.

إفشال مخططات الحسم والضمّ: تأتي العملية كردّ ميداني على مشاريع اليمين “الإسرائيلي” المتطرف المتمثلة في تسريع إجراءات الضمّ الفعلي، وتثبيت واقع الاستيطان الشامل، لتؤكد أنّ خيار المقاومة لا يزال حاضراً وقادراً على المبادرة رغم الحصار والقبضة الأمنية المشددة.

ثانياً: أبعاد التهديد بـ “عملية غير مسبوقة منذ 1967″،

لم يكن استحضار نتنياهو لحقبة عام 1967 مجرد زلة لسان أو مبالغة بلاغية، بل كان اختياراً محدّد الأهداف والمقاصد:

إعادة رسم قواعد اللعبة والعقاب الجماعي: ينطوي هذا التوصيف على تهديد صريح بتطبيق سيناريوات التهجير الداخلي، وإخلاء الأحياء، وتدمير البنى التحتية، وفرض طوق أمني محكم على المدن والبلدات الكبرى (كالخليل وحلحول)، في محاولة لفرض واقع قسري جديد على السكان الفلسطينيين.

إرضاء الائتلاف الفاشي: يقع نتنياهو تحت ضغط هائل من حلفائه في اليمين المتطرف (بن غفير وسموتريتش)، الذين يطالبون بإنهاء وجود السلطة الفلسطينية وشنّ حرب إبادة شاملة في الضفة. ويشكل هذا الإعلان محاولة لامتصاص غضبهم وضمان استمرار تماسك ائتلافه الحكومي.

صناعة صورة “الزعيم القوي”: يسعى نتنياهو لاستعادة هيبة الردع المفقودة واسترضاء الشارع “الإسرائيلي” الغاضب عبر إظهار الحزم والقدرة على اتخاذ قرارات تاريخية وحاسمة.

ثالثاً: الاستثمار الانتخابي وتعويم الشعبية المنهارة،

تتقاطع هذه التحركات الميدانية والخطاب التصعيدي مباشرة مع الحسابات السياسية الضيقة لنتنياهو، الذي يخوض معركة بقاء شخصية وسياسية:

تأطير “الخطر الوجودي”: يعتمد نتنياهو على توظيف العمليات المسلحة لتغذية حالة الخوف لدى الجمهور الإسرائيلي، وإعادة تقديم نفسه في صورة “سيد الأمن” والشخصية الوحيدة القادرة على قيادة الدولة في الأزمات المصيرية.

الالتفاف على منافسيه اليمينيين: يهدف التصعيد إلى حرمان الخصوم السياسيّين في معسكر اليمين واليمين القومي الديني من استخدام الملف الأمني ضد حكومته، وذلك عبر تبنّي لغة عسكرية أشَدّ تطرفاً تلاقي تطلعات قواعد المستوطنين.

الهروب من أزمات القضاء والسياسة: يُعدّ توتير الأجواء الأمنية وسيلة مجرّبة لإبعاد الضوء عن ملفات الفساد والمحاكمات التي تلاحقه، فضلاً عن التغطية على الإخفاقات المتراكمة في إدارة ملفات الحرب الممتدة.

ترميم استطلاعات الرأي: تُظهر جميع مؤشرات الرأي تراجعاً كبيراً في شعبية نتنياهو وحزبه؛ لذا تُشكل الأزمات الأمنية فرصة لإعادة جذب الأصوات العائمة واليمينية الغاضبة تحضيراً للانتخابات المقبلة.

في الخلاصة، يُشكل إعلان نتنياهو عن خطط عسكرية تعود بالذاكرة إلى عام 1967 محاولة مكشوفة للهروب إلى الأمام. فهو يسعى لتحويل الإخفاق الأمني والميداني في الخليل إلى فرصة للسيطرة وتثبيت سياسات الضمّ من جهة، ولتحقيق مكاسب شخصية تُنقذ مستقبله السياسي وتُعوم شعبيته المنهارة من جهة أخرى. غير أنّ هذه الاستراتيجية القائمة على المغامرة ورهن الاستقرار بالأجندات الانتخابية قد تدفع الضفة الغربية نحو انفجار شامل ومفتوح على كلّ الاحتمالات، تتجاوز قدرة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على إدارته أو احتواء تبعاته…