Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر October 24, 2026
A A A
من شوارع فرنسا إلى ودائع لبنان حين يهزّ الدَين الثقة بالدولة

كتبت البروفيسور ندى الملّاح البستانيّ

أعادت الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا مطلع تشرين الأول 2026، إظهار الحساسية الاجتماعية التي تحوط بالخيارات المالية للدولة. فالتعبئة الطالبية، وما رافق بعض تحرُّكاتها من مواجهات وأعمال تخريب، كشفت حجم التوتر حول أوضاع التعليم والموارد المخصَّصة له. ومع ضرورة التمييز بين الحق في التظاهر وأعمال العنف، يبرز سؤال اقتصادي وسياسي: كيف تستطيع الدولة إقناع المجتمع بضبط الإنفاق، فيما تشعر فئات منه، بأنّ الخدمات العامة لم تعُد تلبّي حاجاتها؟ ولا يمكن اختزال هذه الاحتجاجات بالدين العام، لكنها توضّح البيئة الاجتماعية الصعبة التي تتحرَّك ضمنها أي محاولة للإصلاح المالي.

وتكمن خطورة هذا المشهد، في إمكان تحوُّل ضعف الثقة إلى عائق أمام المعالجة الاقتصادية نفسها. فحين يخشى المواطن أن يتحمّل وحده كلفة التصحيح، تصبح الإجراءات المالية موضع رفض، وتزداد صعوبة بناء توافق على الأولويات. كما أنّ الاضطرابات، إذا اتسعت واستمرّت، قد تربك النشاط التجاري والسياحي، وتؤجّل قرارات الاستثمار، فتضغط على النمو الذي تحتاج إليه الدولة لتحسين إيراداتها. ومن هنا، فإنّ استدامة الدين تتطلّب، إلى جانب الحسابات المالية، قدرة على الحوار وتفسير الخيارات وتوزيع الأعباء بعدالة، لأنّ الاستقرار الاجتماعي أحد شروط نجاح الإصلاح، وحماية التعبير السلمي جزء من بناء الثقة اللازمة له.

 

من ناحية أُخرى، لم يعُد الدين العام مسألة محصورة بوزارات المال والمصارف المركزية، بل أصبح عنصراً مؤثراً في حياة المواطنين، وفي قدرة الدول على حماية استقرارها الاجتماعي والاقتصادي. وحين تُطرَح تساؤلات عن قدرة فرنسا على تحمُّل مديونيّتها، يستحضر اللبناني تجربة بلاده، إذ تحوَّلت الاختلالات المالية إلى أزمة طاولت العملة والمصارف والمدّخرات والخدمات العامة. غير أنّ المقارنة تستدعي التمييز بين اقتصاد يواجه ضغوطاً متزايدة على استدامة تمويله، واقتصاد تعثر بالفعل، ولا يزال يبحث عن تسوية لخسائره والتزاماته. وبين الحالتَين، يبرز سؤال مشترك: متى يخدم الاقتراض المجتمع، ومتى يصبح عبئاً يقيّد مستقبله؟

 

 

 

فرنسا أمام أرقام مقلقة

 

بلغ الدين العام الفرنسي، وفق المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية “إنسي”، نحو 3595,5 مليار يورو في نهاية الربع الثاني من العام 2026، بما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذه أرقام تستدعي معالجة جدّية، لكنّ قراءتها تحتاج إلى تحديد العملة والفترة الزمنية وطبيعة الالتزامات، بدلاً من الاكتفاء بضخامة المبلغ.

 

إنّ الدَين رصيد متراكم، فيما يمثل العجز الفارق السنوي بين الإيرادات والنفقات. وعندما يستمر العجز، تحتاج الدولة عادةً إلى اقتراض إضافي، بالتزامن مع إعادة تمويل الاستحقاقات السابقة. لذلك، تتحدّد خطورة المديونية بحجمها، وكلفة خدمتها، وآجالها، وبقدرة الاقتصاد على النمو وتوليد الإيرادات. وقد يتحمّل اقتصاد منتج دَيناً مرتفعاً، فيما يعجز اقتصاد أقل مديونية عن مواجهة استحقاقاته إذا تراجعت موارده وفقد ثقة المموّلين.

 

 

 

النموذج الاجتماعي وكلفة استمراره

 

تواجه فرنسا معادلة دقيقة، بين المحافظة على الحماية الاجتماعية وضبط المالية العامة. فالتعليم والصحة والتقاعد والمساعدات ليست مجرّد بنود محاسبية، بل مكوّنات أساسية للعقد الاجتماعي. وأي تعديل فيها يثير نقاشاً حول العدالة، توزيع الأعباء، ومسؤولية الدولة تجاه مواطنيها.

 

من ناحية أخرى، نرى أنّ حماية هذه المكتسبات تستلزم تمويلاً مستداماً. فالاقتراض قد يساعد في مواجهة أزمة استثنائية، أو تمويل استثمارات ترفع الإنتاجية، إلّا أنّ استخدامه بصورة متكرّرة لتغطية نفقات لا تقابلها موارد كافية يضيّق هامش القرار. ومع ارتفاع كلفة التمويل، تزاحم خدمة الدين حاجات المدارس والمستشفيات والبنى التحتية. وهنا تصبح مراجعة الإنفاق ضرورة لحماية الخدمات نفسها، عبر تحسين فاعليتها وتحديد أولوياتها.

 

كما تزداد صعوبة المعالجة عندما يضعف النمو. فخفض النفقات بصورة متسرّعة قد يؤثر في النشاط الاقتصادي، بينما يمكن لزيادة الضرائب أن تضغط على الاستهلاك والاستثمار. لذلك، تحتاج السياسة المالية إلى تدرُّج واضح، وإلى إصلاحات تعزّز الإنتاج، وتوزِّع الكلفة بعدالة، وتحافظ على الاستثمار الضروري للمستقبل.

 

 

 

لبنان: من المديونية إلى التعثر

 

في لبنان، تجاوزت الأزمة مرحلة التحذير. فقد وقع التعثر السيادي في آذار العام 2020، ضمن انهيار أوسع شمل القطاع المصرفي وسعر الصرف وتدفقات رؤوس الأموال. ولذلك، فإنّ معالجة الدين اللبناني تتطلّب إعادة هيكلة ضمن برنامج اقتصادي ومالي متكامل، كما ورد في الاتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد الدولي العام 2022.

 

لقد أظهرت التجربة اللبنانية خطورة ترابط الدولة، والمصرف المركزي، والمصارف التجارية. فعندما تتجمّع التوظيفات والمخاطر داخل هذه الحلقة، تنتقل الصدمة بين أطرافها، وتصل في النهاية إلى المودع والموظف والمتقاعد. وما يبدو في البداية مشكلة تمويل للخزينة قد يتحوَّل إلى أزمة ثقة شاملة، تتراجع معها القدرة على الادخار والاقتراض والاستثمار. ولا يجوز، مع ذلك، اختزال الخسائر المصرفية كلّها في الدين العام. فالتزامات الدولة، وميزانية مصرف لبنان، وحقوق المودعين لدى المصارف، ملفات مترابطة، لكنها تختلف محاسبياً وقانونياً. وأي خطة جدّية ينبغي أن توضح هذه الفوارق، وتحدِّد المسؤوليات والقدرات الفعلية، قبل تقديم وعود بالسداد.

 

تحتاج المقارنة الرقمية بين البلدَين إلى حذر خاص. ففي الاقتصاد اللبناني، يؤثر سعر الصرف المستخدم، وتقدير الناتج المحلي، واحتساب المتأخّرات، في صورة المديونية. كما أنّ تراجع القيمة المحوَّلة إلى الدولار للالتزامات بالليرة لا يعني أنّ المجتمع أصبح أكثر ثراءً، فقد يترافق ذلك مع تآكل الأجور والمدّخرات والقدرة الشرائية.

 

كذلك، قد تنخفض نسبة الدين إلى الناتج بفعل ارتفاع الناتج المحلي، من دون تحسن مماثل في قدرة الدولة على السداد. وقد أشار البنك الدولي إلى هذا العامل في تقييمه للبنان مطلع العام 2026، مؤكّداً بقاء المديونية مرتفعة واستمرار خروج البلاد من أسواق رؤوس الأموال الدولية. لذلك، يجب أن يرتكز النقاش العام على ما هو أبعد من النسبة: هل تحسنت الجباية؟ هل ارتفعت الإنتاجية؟ هل استعادت الدولة خدماتها؟ وهل أصبحت الالتزامات قابلة للتسديد وفق شروط واقعية؟ فالمؤشر المالي يكتسب معناه عندما يعكس تحسناً في الاقتصاد والمؤسسات، لا مجرّد تغيُّر في طريقة القياس.

 

 

 

اختلاف الأدوات وحدود المقارنة

 

تستفيد فرنسا من سوق سندات عميقة ومتنوّعة، ومن آجال طويلة نسبياً لمديونيتها، ومن الإطار النقدي الأوروبي. ويُعدّ صندوق النقد الدولي هذه العناصر عوامل مخففة للمخاطر. أمّا لبنان، فيحتاج إلى استعادة انتظام علاقته بالدائنين، وإصلاح الوساطة المصرفية، وبناء إطار موثوق للسياسة المالية.

 

وعليه، لا تسمح الضغوط الفرنسية باستنتاج حتمي، بأنّ فرنسا تسير نحو التجربة اللبنانية، كما لا تسمح خصوصية لبنان باعتبار قضيّته معزولة عن دروس المديونية العامة. فالدول تختلف في أدواتها وقدراتها، لكنّ تأجيل معالجة الاختلالات يرفع كلفة التصحيح، ويجعل القرارات اللاحقة أشدّ إيلاماً للمجتمع.

 

 

 

الموازنة والخدمات وكلفة الانهيار

 

في لبنان، لا يمكن تقييم المالية العامة من رصيد الموازنة وحده. إذ يجب التمييز بين تحسن ينتج من إصلاح دائم للإيرادات والإنفاق، وآخر يرتبط بتآكل القيمة الحقيقية للأجور أو تأجيل المدفوعات أو تراجع الخدمات. فالدولة قد تنفق أقل، بينما يدفع المواطن أكثر لتأمين الكهرباء والمياه والتعليم والصحة.

 

وهذا انتقال للكلفة من الموازنة إلى الأسرة، وله نتائج اجتماعية واقتصادية. فالأسرة التي تستنزف دخلها لشراء خدمات بديلة تقلّ قدرتها على الاستهلاك والادخار، والمؤسسة التي تتحمّل نفقات تشغيل إضافية تفقد جزءاً من قدرتها التنافسية. لذلك، ينبغي أن يقترن الانضباط المالي بإعادة بناء الخدمات الأساسية، وتحسين الإدارة، وقياس النتائج التي يحصل عليها المواطن مقابل الضرائب والرسوم. وتزداد هذه الحاجة مع أعباء الصدمات الأمنية وإعادة الإعمار.

 

 

 

المودعون وإمكانات الدولة

 

تشكّل استعادة الودائع محوراً أساسياً لأي تعافٍ لبناني. غير أنّ حقوق المودعين تحتاج إلى آليات تنفيذ وتمويل واضحة. فإضافة التزامات على الدولة من دون موارد واقعية قد تعيد إنتاج المشكلة، وتحمّل المواطنين أعباء جديدة عبر الضرائب أو التضخّم أو إضعاف الخدمات.

 

وهذا يستوجب كشف الخسائر، وتقييم الأصول، وتحديد مساهمات الأطراف وفق المسؤوليات والقواعد القانونية والقدرة على الدفع، مع حماية صغار المودعين. ولا تتحقق العدالة بوعود تتجاوز الإمكانات، بل بخطة شفافة تعترف بالحقوق، وتشرح حدود التمويل، وتوزّع الأعباء بصورة قابلة للمساءلة. فاستعادة الثقة تبدأ حين يستطيع المواطن التمييز بين الالتزام القابل للتنفيذ والتعهُّد السياسي المفتوح.

 

 

 

إصلاح يربط المال بالإنتاج

 

تحتاج فرنسا إلى مسار موثوق لضبط ماليّتها مع دعم النمو. ويحتاج لبنان، بالإضافة إلى ذلك، إلى تسوية إرث التعثر وإعادة بناء مؤسساته المالية. وفي الحالتَين، لا يكفي خفض الإنفاق إذا لم تتحسن قدرة الاقتصاد على الإنتاج.

 

بالنسبة إلى لبنان، يعني ذلك إصلاح الكهرباء والإدارة والجباية، وتطوير البنية التحتية، وتوفير بيئة تسمح للمؤسسات بالاستثمار والعمل المنظم. كما يعني بناء نظام مصرفي قادر على توجيه التمويل نحو النشاط الاقتصادي، ضمن رقابة فعّالة وقواعد واضحة لحماية الحقوق.

 

وتقتضي إعادة هيكلة الدين رؤية لحجم الالتزامات الذي يستطيع الاقتصاد خدمته، استناداً إلى افتراضات واقعية للنمو والإيرادات والنفقات. فتمديد الآجال وحده قد يؤجّل المشكلة، فيما تصبح المعالجة أكثر متانة عندما تترافق مع إصلاحات تزيد الموارد، وتحسن الخدمات، وتمنع تراكم اختلالات جديدة.

 

لذلك، يحتاج هذا المسار إلى نشر بيانات منتظمة ومفهومة عن الدين والمتأخّرات والضمانات العامة، وإخضاع التوقعات للمراجعة، وربط الإنفاق بأهداف قابلة للقياس. فالشفافية تتيح للمواطن والبرلمان والدائن تقييم القرارات، وتكشف مبكراً الفجوة بين الوعود والموارد المتاحة، قبل اتساعها وتحوّلها إلى أزمة جديدة يصعب احتواؤها.

 

ختاماً، تكشف المقارنة بين باريس وبيروت، أنّ الدَين امتحان لنوعية الحكم بقدر ما هو امتحان للقدرة المالية. فالمواطن يقبل الإصلاح حين يفهم ضرورته، ويرى عدالته، ويثق بأنّ تضحياته ستتحوَّل إلى خدمات وفرص أفضل. والمستثمر يحتاج إلى قواعد مستقرة ومعلومات موثوقة ومسار قابل للتقييم.

 

هكذا، تملك فرنسا أدوات واسعة لتصحيح مسارها، ويحتاج لبنان إلى استعادة أدوات عطلها الانهيار. أمّا الدرس المشترك، فهو أنّ الوقت المتاح للإصلاح مورد ثمين. وكلّما استُخدم لبناء اقتصاد منتج ومؤسسات مسؤولة، أمكن للدين أن يبقى أداة تمويل، بدلاً من أن يصبح قيداً على الدولة والمجتمع والأجيال المقبلة.