Beirut weather 26.88 ° C
تاريخ النشر June 3, 2026
A A A
أزمة الانتماء الوطني في لبنان.. إلى متى؟…
الكاتب: مرسال الترس

كتب مرسال الترس في “الجريدة”

 

 

 

 

على الرغم من الصورة المثالية التي رسّختها الأغاني الوطنية الرحبانية منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، ولا سيما مع مسرحية “فخر الدين”، في أذهان شريحة واسعة من اللبنانيين، حيث ظهر لبنان بوصفه “وطن الأرز” و”قطعة من السما” و”الجبال يللي ما بتنطال”، فإن الحرب الأهلية، بكل مآسيها، كشفت واقعاً مختلفاً داخل ذلك الوطن الصغير” الذي رسمه الاستعمار الفرنسي وفق رغبة الطائفة المارونية ـ كما يُقال ـ وتهدم الصروح الورقية التي علّق عليها الكثير من اللبنانيين الآمال.

 

لكن اللبنانيين لم يقيموا يوماً بالاً لما تدبّره الأيادي السوداء في الغرف المغلقة منذ مئات وآلاف السنين لربطهم بهذا المعطى الديني أو ذاك. ولو قرأوا مرحلة الصراعات الطائفية والمذهبية التي حدثت مثلاً سنة 1860، أو ما يشابهها، لكانوا ربما سعوا مع شركائهم في الوطن إلى ترسيخ الانتماء الوطني البعيد عن الطوائف والمذاهب. غير أنهم، حتى لو فطنوا إلى ذلك، لما كان الخارج، من هذا المحتل أو ذاك المستعمر، ليسمح لهم بالتقاط أنفاسهم. فهو رسم لهم طريق التشبث بالأديان وطوائفها ومذاهبها كي يسهل عليه الدخول إلى هذه المجتمعات والعمل على تفريقها ساعة يشاء.

 

وها هم اللبنانيون، بعد قرن ونيّف على وضع خريطة لبنان الكبير، وبعد 83 سنة على نيل الاستقلال، ما زالوا يغرقون في خوفهم من بعضهم بعضاً، طائفياً ومذهبياً، ويفضّلون الاتكاء على ذلك الخارج المشبوه كي يعزّزوا وضعهم في الداخل، متناسين أو متجاهلين أن ذلك الخارج سيستخدمهم أدواتٍ ويرميهم قشوراً عندما يحقق مآربه.

 

ها هي شريحة من المسيحيين، ومعهم مجموعات أخرى من طوائف أخرى، مستعدة جهاراً نهاراً، وبوقاحة تامة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتلقّف دخول جيش الاحتلال الإسرائيلي كي يقضي على “حزب الله”، من باب النكاية الطائفية أو المذهبية لا أكثر. وكأنهم تناسوا ما دبّره لهم ذلك الجيش من مكائد عندما وصل إلى العاصمة بيروت عام 1982، وكم من المجازر ارتُكبت تحت أنظاره في ثنايا الجبل الدرزي ـ الماروني، وفي داخل المخيمات الفلسطينية ذات الغالبية السنية (صبرا وشاتيلا).

 

وها هو أحد المشايخ السلفيين في لبنان، لا يخجل من استحضار حلم إعادة لبنان إلى سوريا، عندما عبّر عن رفضه لما جاء في مشروع قانون العفو العام، فقال: “إذا لم تكونوا قادرين على العيش مع السنّة، ورفضتم ذلك، فلننفصل عن لبنان أو لنعد إلى أهلنا في الشام”. وهو بذلك لا يختلف كثيراً عن بعض القادة المسيحيين الذين يركّزون جهاراً ونهاراً على المطالبة بالفيدرالية أو ما يشابهها.

 

وبالأمس، جاهر “حزب الله”، الذي يمثل نسبة وازنة من الطائفة الشيعية، بأنه مرتبط حتى العظم بالجمهورية الإسلامية في إيران.

 

وها هو أحد نواب الطائفة الأرمنية لم يُخفِ تقديم جنسيته الأرمنية على وطنيته اللبنانية… وهلمّ جرّاً.

 

ويوم الثلاثاء شددت القمة الروحية الإسلامية – المسيحية، التي انعقدت في دار الطائفة الدرزية، على وجوب تعزيز الولاء للوطن.

 

فمتى سيعود الجميع إلى ترداد نشيد “كلنا للوطن…”، ويرفعون العلم اللبناني وحده، لا غير؟