Beirut weather 22 ° C
تاريخ النشر October 31, 2026
A A A
“نماذج” من “السيادة” اللبنانية.. و”ما بقي” منها!
الكاتب: مرسال الترس

كتب مرسال الترس في موقع “الجريدة”:

منذ عقود ما بعد اتفاق الطائف، والأفرقاء في لبنان، الذين انقسموا عمودياً وأفقياً في أكثر من مرحلة، يختلفون على مفهوم السيادة في الدولة اللبنانية التي نالت استقلالها عن المنتدب الفرنسي في العام 1943 (وهو الذي أعلن دولة لبنان الكبير في العام 1920)، لكنها لم تعرف السيادة الكاملة إلا لماماً. في حين أن مفهوم السيادة تبدّل لاحقاً بحسب الجهة التي يُنسب إليها الانتهاك!

وإذا كان أبرز مظهر سيادي قد تجلّى في اللقاء التاريخي الذي جرى في 25 آذار 1959 بين رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك اللواء فؤاد شهاب، ورئيس “الجمهورية العربية المتحدة” جمال عبد الناصر، في خيمة على الحدود اللبنانية ـ السورية (أثناء الوحدة بين سوريا ومصر)، نصفها على الأراضي اللبنانية والنصف الآخر على الأراضي السورية، حيث جلس كلٌّ منهما على الأرض التي يتزعمها، وانتهى اللقاء بتكريس السيادة لكل من القطرين على أرضه المعترف بها دولياً.

أما المظهر الثاني من السيادة الكاملة، فقد تجلّى في اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية اللبنانية سليمان فرنجية بالموفد الأميركي دين براون، إبان “حرب السنتين”، في 31 آذار 1976. فعندما سمع الرئيس اللبناني من الموفد فحوى مهمته التي ترتكز على تأمين نقل المسيحيين إلى الأراضي الكندية، ما كان منه إلا أن واجهه بشكل حاسم وقاطع، مؤكداً له أن أبناء القيادات والعائلات اللبنانية يقاتلون في الميدان من أجل البقاء في وطنهم، معلناً إنهاء الاجتماع ومنسحباً منه.

النموذج الثالث في سنة 2000، عندما رفض رئيس الجمهورية آميل لحود الضغوط الأميركية للقبول بالخط الأزرق لترسيم الحدود اللبنانية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي رغم الخروقات الكثيرة في العديد من النقاط. وعندما اتصلت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت قرابة الفجر، محاولة الضغط عليه، فأكد أنه لن يتنازل عن شبر واحد من السيادة اللبنانية على أراضيه، فقالت له “أنت تتكلم مع وزير الخارجية الأميركية”، فأجابها سريعاً “وأنا رئيس جمهورية لبنان…” وأقفل الخط في وجهها.

النموذج الرابع سنة 2020، عندما حاولت السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا الضغط على رئيس الحكومة حسّان دياب لحماية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وإعادة تعيين نائبه محمد بعاصيري في مركزه، ورفض دياب قائلاً “أعتقد أننا نتحدث عن مصرف لبنان وليس عن المصرف الفيدرالي الأميركي.. الحكومة اللبنانية هي التي تعيّن، وهذه مسألة سيادية”.

طبعاً، هناك نماذج سيادية أخرى، يصعب استذكارها جميعاً، لكن خارج هذه النماذج، انتُهكت السيادة اللبنانية بالطول والعرض، وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع، سواء من العدو الإسرائيلي الذي نفّذ أكثر من اجتياح للأراضي اللبنانية، ناهيك عن آلاف الخروقات للأجواء والمياه اللبنانية، أو من التدخلات العربية والغربية المتنوعة والمتشعبة في السياسة اللبنانية.

ولعل أحدث مظاهر انتهاكات تلك السيادة هو تباهي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام مجلس الشعب في بلاده، حيث هنّأ من أسماهم بـ”الأبطال المجهولين” في الاستخبارات التركية والسورية، الذين ألقوا القبض على الضابط السوري السابق علي كيالي، المعروف بمعراج أورال، في منطقة المتن اللبنانية، والمتهم بالمسؤولية عن مجزرة بانياس وتفجيرات ريحانلي، ونقله إلى خارج لبنان من دون علم السلطات اللبنانية، التي لم تصدر أي تعليق على الحادثة.

ومنذ بضع سنوات، أقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي على التوغّل إلى منطقة البترون لخطف أحد الأشخاص، وقبله شخصين آخرين من منطقة البقاع، بغض النظر عن تسلّل المخابرات الإسرائيلية إلى وسط العاصمة بيروت في العام 1973 لاغتيال ثلاثة قادة فلسطينيين، أو خطف هذا القيادي في “حزب الله” أو ذاك!

والأنكى أن العديد من الأفرقاء اللبنانيين ما زالوا يعيّرون أخصامهم بالتحالف مع رئيس هذه الدولة أو تلك، متجاهلين ما هم عليه من ارتهان، حتى باتوا يطبّقون المثل القائل: “إنه يرى القشّة في عين سواه ولا يرى الخشبة في عينه”!