Beirut weather 22 ° C
تاريخ النشر October 31, 2026
A A A
الاحتلال يلاحق الموتى ويمنع دفنهم

كتبت نور محمود:

في القرى الحدودية الجنوبية المحتلّة، لم يسلم الموتى من العدوان الإسرائيلي، فالمقابر التي كانت تضمّ أجيالاً من أبناء هذه البلدات تعرّضت بدورها للقصف والتفجير والتجريف، وبعضها مُحي بالكامل، فيما فقدت قبور معالمها وبات الوصول إليها مستحيلاً. ومع استمرار الاحتلال والاعتداءات على 60 قرية جنوبية، لم يعد الأهالي قادرين على دفن موتاهم في بلداتهم، فاضطروا إمّا إلى إيداعهم في مقابر خارجها، على أمل نقلهم إليها حين تسمح الظروف، أو نبش قبور قديمة تعود لهم ودفن موتاهم الجدد مع أقربائهم.

في بلدة ميس الجبل الحدودية المحتلة عشر مقابر لا يستطيع أهلها الوصول إليها، تحتوي، وفق رئيس البلدية السابق عبد المنعم شقير، على نحو 20 ألف قبر، تعرّض القسم الأكبر منها للجرف والقصف والأضرار المباشرة نتيجة العدوان الاسرائيلي. ولا تتوافر حتى الآن حصيلة دقيقة للقبور التي دُمّرت أو تضرّرت، في ظلّ تعذّر الوصول إلى البلدة ومعاينة الأضرار ميدانياً. لكنّ أثر هذا الدمار ينعكس على مصير الموتى الجدد أيضاً، إذ يقدّر شقير عدد الشهداء والمتوفّين وفاة طبيعية الذين دُفنوا خارج ميس الجبل بعد عدوان آذار بنحو 150، توزّعوا بين بيروت وصيدا ومناطق أخرى في الجنوب كودائع.

حالة بلدة ميس الجبل ليس خاصةً، إذ لا يقتصر دفن الموتى كودائع خارج بلداتهم عليها، ففي بنت جبيل، بلغ عدد أبناء البلدة المدفونين مؤقّتاً خارجها نحو 40 شخصاً، بينهم 16 شهيداً، توزّعوا بين مناطق مختلفة وفق أماكن إقامة عائلاتهم، فيما دُفن معظمهم في روضة الإمام الصادق في الأجنحة الخمسة في حيّ السلّم. وبحسب عضو البلدية هاشم السيد حسن فإن الغارات والتفجيرات المحيطة بالمقابر الأربع المتجاورة ضمن بقعة جغرافية واحدة دمّرت عشرات الأضرحة حسب ما أظهرت صور الأقمار الاصطناعية، فيما لا يزال حجم الأضرار التي خلّفها التجريف على أطراف المقابر غير مُحدّد بدقة.

أمّا في يارون، فقد تجاوز الدمار حدود الأضرار الجزئية إلى محو مقبرة بكاملها. ويقول رئيس البلدية حافظ غشام إنّ البلدة تضمّ 5 مقابر: أربع إسلامية وواحدة مسيحية. وقد دُمّرت إحدى المقابر بالكامل في مهلة الستين يوماً لانسحاب جيش العدو بعد حرب 2024، بعدما كانت تضمّ نحو 200 قبر يعود تاريخها إلى أكثر من 200 سنة. كذلك تعرّضت المقبرة الغربية، وهي أقدم مقابر البلدة ويزيد عمرها على 300 سنة، لأضرار جسيمة بفعل القصف المدفعي والطائرات المُسيّرة، فيما طاولت الأضرار بدرجات متفاوتة المقبرة الشرقية في منطقة البيادر، والمقبرة الحالية التي تضمّ نحو 300 قبر، بينها أضرحة شهداء البلدة.

وفي يارون أيضاً، لم تسلم المقبرة المسيحية من الاعتداء، على الرغم من أنّها لم تتعرّض للقصف المباشر. أثناء حرب 2026، دخل جنود الاحتلال الإسرائيلي إلى المدافن، ونبشوها وخرّبوها وكسّروا أبوابها، وفق غشام. هكذا، لم يقتصر ما أصاب مقابر يارون على القذائف والتفجيرات، بل امتدّ إلى العبث بالمدافن وانتهاك حرمتها. وفي ظلّ تعذّر العودة إلى البلدة، بلغ عدد الودائع من أبنائها 15، دُفنوا في صور وبيروت والشويفات. ويوضح غشام أنّ البلدية ولجنة الوقف تواجهان صعوبة في تأمين أماكن للدفن، ولا سيما أنّ كثيرين من أبناء البلدة المقيمين في الاغتراب يوصون بأن يُدفنوا فيها، فيما تحول الظروف الأمنية دون تنفيذ وصاياهم.

وفي بيت ياحون، لا يقتصر المشهد على القبور المتضرّرة، بل يشمل المرافق المرتبطة بالدفن أيضاً. وبحسب رئيس البلدية مصطفى مكي، البلدية دخلت البلدة في آذار 2026 بمؤازرة الجيش والدفاع المدني، وكانت نسبة الدمار فيها آنذاك نحو 75%. وعند الوصول إلى الجبانة، تبيّن أنّ غارة أحدثت حفرة عميقة عند مدخلها، ودمّرت المصلى والمغاسل وسيارات الإسعاف التابعة لها. كما تكسّرت شواهد القبور، ما يعني إضاعة أصحابها نتيجةً لفقدان معالمها.
ويقدّر مكي نسبة القبور التي تضرّرت جزئياً أو كلياً بنحو 60%. ومع بلوغ الدمار في البلدة نحو 96% اليوم، واستمرار الاحتلال والقصف والتفجير والتجريف، فقد بات الوصول إلى الجبانة مستحيلاً. ونتيجة ذلك، بلغ عدد الودائع من أبناء بيت ياحون 8، دُفنوا في بيروت وفي مناطق قريبة من أماكن إقامة عائلاتهم.

أزمة دفن الموتى لا تقتصر على المسلمين من أبناء القرى الحدودية، حتى العائلات المسيحية تدفن موتاها في مقابر مؤقتة إلى حين تحرير الأرض لإعادة الموتى إلى مقابر قراهم. رولا سلوم، من أبناء يارون المسيحيين، فقدت والدَيها خلال فترة العدوان عام 2026، ولم تتمكّن من دفنهما في بلدتهما كما أوصيا، فاضطرّت إلى دفنهما وديعة في الدامور. وتقول إنّ عدم قدرتها على مواراتهما في أرضهما كان أمراً بالغ القسوة، لكنّ تأمين مكان لهما خفّف عنها بعضاً من وطأة الفقد، بانتظار أن تتمكّن من نقلهما إلى يارون. وبينما تعذّر عليها تنفيذ وصية والديها، كانت مدافن أبناء البلدة المسيحيين نفسها قد تعرّضت للنبش والتخريب على أيدي جنود الاحتلال، في اعتداء طاول حرمة الموتى من دون تمييز.

 

 

مقبرة وطنية في الجنوب قبل أن تضيق الأرض بالموتى

مع تجريف 64 قرية واستحالة العودة إليها في المدى القريب، يتحوّل دفن الموتى كودائع خارج بلداتهم من إجراء مؤقت إلى أزمة مرشّحة للتفاقم، مع تزايد الأعداد ومحدودية القدرة الاستيعابية للمقابر التي تستقبلهم. من هنا، يقترح المهندس رياض الأسعد إنشاء مقبرة وطنية عامة في منطقة صور، تتّسع لأبناء مختلف الطوائف، وتتيح الدفن المؤقت أو الدائم، داعياً الدولة إلى تخصيص مساحة من أملاكها، أو ما يُعرف بالمشاعات، لهذا الغرض، وتولّي مسؤولية تنظيمها. فـ«منطق الودائع مقبول، لكنه ليس حلاً طالما أن الأزمة طويلة»، يقول الأسعد لـ«الأخبار»، محذّراً من أن أماكن الدفن الحالية قد تبلغ حدود قدرتها الاستيعابية، فيما يبقى موعد العودة إلى القرى المدمّرة مجهولاً. ولا يقتصر الاقتراح على تأمين مساحة للدفن، بل على تدارك أزمة تتفاقم مع الوقت، وتخفيف أعباء الانتظار والتنقّل عن العائلات، بدل تركها تواجه وحدها تبعات الحرب حتى بعد الموت. ويختصر الأسعد هذا الواقع بعبارة تختزل عجز الأهالي عن دفن موتاهم حيث أرادوا: «رضينا بالموت، والموت ما رضي فينا».