Beirut weather 24 ° C
تاريخ النشر October 29, 2026
A A A
صندوق الاقتراع… سلاح عرب فلسطين
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في اللواء 

بصرف النظر عن النتائج الملتبسة للانتخابات الإسرائيلية، وعن قدرة بنيامين نتنياهو على المناورة للبقاء في السلطة، فإن النتيجة الأهم التي أفرزتها صناديق الاقتراع تتمثل في الإقبال الشعبي غير المسبوق، ولا سيما في المدن والبلدات العربية، وفي التعبير الواضح عن رفض استمرار حكومة اليمين المتطرف وسياساتها المدمرة.

 

لقد أدرك قطاع واسع من الناخبين اليهود أن نتنياهو وحلفاءه قادوا إسرائيل إلى العزلة والانقسام والحروب المفتوحة، وأن استمرارهم في الحكم يعني مزيداً من الدم والاضطراب. لكن الدلالة الأعمق جاءت من عرب الـ48، الذين واجهوا طوال السنوات الماضية حملات ترهيب وتحريض وتنكيل منهجية، قادها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وباركها نتنياهو ووظفها في صراعه للبقاء في السلطة.

 

كان المطلوب دفع المواطنين العرب إلى اليأس من العمل السياسي، أو جرّهم إلى العنف، لتبرير المزيد من القمع والاعتقالات وهدم المنازل والتضييق على الوجود العربي. إلا أن الرد جاء معاكساً تماماً: صبرٌ وصمودٌ وتنظيمٌ ومشاركة كثيفة في الانتخابات. لم يطلق عرب الـ48 رصاصة واحدة، ولم يمنحوا المتطرفين الذريعة التي كانوا ينتظرونها، بل استخدموا أقوى سلاح سلمي متاح لهم: ورقة الاقتراع.

 

 

بهذه الورقة حوّلوا سنوات التنكيل إلى قوة سياسية، ووضعوا الأحزاب العربية في موقع قد يكون حاسماً في رسم صورة الحكومة المقبلة. والأهم أنهم أثبتوا أن التغيير لا يحتاج دائماً إلى البنادق، وأن الصوت الانتخابي، حين تقترن به وحدة الموقف وكثافة المشاركة، يستطيع أن يربك أقوى مشاريع الهيمنة والإقصاء.

 

لا يعني ذلك تجميل النظام الإسرائيلي أو تجاهل التمييز البنيوي الذي يعانيه المواطنون العرب، ولا يمحو جرائم الحرب والاحتلال. لكنه يؤكد أن مقاطعة المؤسسات تتركها للمتطرفين، فيما المشاركة الواعية قادرة على تحويل الوجود الديموغرافي إلى وزن سياسي يصعب تجاوزه.

 

قد ينجح نتنياهو في تركيب ائتلاف جديد، وقد تفضي المساومات إلى صيغة حكومية لا تلبي تطلعات دعاة التغيير. لكن الرسالة وصلت: عرب الـ48 ليسوا كتلة خائفة أو هامشية، بل قوة سياسية تعرف متى تصبر وكيف تتحرك.

 

إنها تجربة تستحق التأمل في عالمنا العربي أيضاً: الديمقراطية ليست خطباً ولا شعارات، بل مشاركة ومراكمة وتنظيم. وصندوق الاقتراع، متى حُمي من التزوير واستُخدم بوعي، يمكن أن يكون أشد تأثيراً من الرصاص.