Beirut weather 25 ° C
تاريخ النشر October 29, 2026
A A A
في عصر الذكاء الاصطناعي… لم نعد نعرف ماذا نصدّق!
الكاتب: اوديت همدر - موقع المرده

 

نعيش اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي، عصر أصبحت فيه الصورة قابلة للتعديل، والفيديو قابل للتزييف، والحقيقة موضع شك.

 

تنتقل إلينا الاخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من تيكتوك إلى فيسبوك وإنستغرام، مشاهد عن عمليات خطف وسرقة ونشل في مناطق لبنانية مختلفة وفي العالم. مقاطع فيديو تنتشر بسرعة تثير الخوف والقلق، وتدفع الناس إلى التساؤل عن مدى الأمان الذي يعيشونه في محيطهم.

 

بعيدا عن تفاصيل كل حادثة يبرز سؤال أكبر: إلى أين وصلنا؟ وماذا فعل بنا هذا العصر الذي يفترض أن يجعل حياتنا أكثر تطورا ووعيا؟

 

المفارقة هي اننا في الوقت الذي أصبحنا فيه أكثر اتصالا بالعالم، بتنا أحيانا أبعد ما نكون عن الحقيقة. نعيش وسط عدد كبير من الصور والمقاطع والأخبار التي تصلنا في ثوانٍ لكننا لم نعد نملك دائما القدرة على التمييز بين الحقيقي والمفبرك، بين ما حدث فعلا وما صُنع لإقناعنا بأنه حدث.

 

فيديو واحد قد يثير الهلع، وصورة واحدة قد تصنع اتهاما، وخبر واحد قد ينتشر في كل مكان قبل أن يتأكد أحد من صحته. وهنا الخطورة، ليس فقط في أن نصدّق ما هو كاذب، بل في أن نصل إلى مرحلة نشك بما هو حقيقي.

 

وفي لبنان، حيث نعيش أصلا وسط دوامة من الأزمات والضغوط والأحداث التي يصعب أحيانا تصديقها، يأتي هذا الواقع ليزيد القلق. لم يعد المواطن يبحث فقط عن إجابات لما يحدث حوله، بل أصبح مضطرا إلى البحث عن الحقيقة نفسها، وسط كمّ هائل من المعلومات المتضاربة والمشاهد التي تتناقلها الصفحات والحسابات.

 

وفي هذا السياق، تم رفع مشروع إنشاء وزارة للتكنولوجيا او وزارة أصيلة للذكاء الاصطناعي الى الهيئة العامة لمجلس النواب، تمهيدا لاستكمال مساره التشريعي بعدما أقرّته اللجنة الفرعية المنبثقة من اللجان المشتركة برئاسة رئيس لجنة التكنولوجيا النائب طوني فرنجيه، في خطوة تأتي في إطار السعي إلى توفير الحماية في المجال الرقمي، بما يشكّل بداية لمسار لبنان نحو الرقمنة.

 

وبانتظار استكمال الخطوات اللازمة لإنشاء وزارة للتكنولوجيا، لا بد من التأكيد أنّ الحماية الرقمية لا تقتصر على القوانين وحدها بل تبدأ أيضا من وعي الإنسان وقدرته على التمييز بين الحقيقة والمحتوى المفبرك.

 

إنّ الذكاء الاصطناعي ليس عدونا، ولا التطور هو المشكلة بحد ذاته. المشكلة تبدأ حين تتحول التكنولوجيا من أداة تساعدنا على فهم العالم إلى وسيلة قد تضلّلنا، وحين يصبح انتشار الخبر أهم من صحته، وتصبح المشاهدات والتفاعلات أقوى من الحقيقة.

 

نحن لا نحتاج إلى عالم افتراضي إضافي نهرب إليه من واقعنا، بل نحتاج إلى واقع نستطيع الوثوق به، وإلى إعلام مسؤول، ومتابعة جدية للحوادث، ومحاسبة قانونية عند وقوع الحوادث، وإلى مجتمع لا يحكم على الأشخاص من خلال مقطع متداول، ولا يكتفي بإعادة نشر الخوف، بل يبحث عن المعلومة المؤكدة.

 

في زمن أصبح فيه كل شيء قابل للتصديق، لم تعد المشكلة فيما نراه فقط، بل في قدرتنا على معرفة ما يستحق أن نصدّقه. فهل نحن فعلا نعيش عصر الذكاء الاصطناعي، أم أننا بدأنا نعيش عصر الضياع بين الحقيقة والوهم؟.