Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر October 22, 2026
A A A
«الهيئة الصحية» تتصدّر تجربة «التحصين الشامل»: 80% من الأطفال لا يتلقّون اللقاحات الإلزامية

كتبت زينب حمود:

نحو 80% من الأطفال يتسرّبون من برامج التلقيح الأساسية في لبنان، وترتفع النسبة إلى 95% في بعض المناطق النائية المحرومة من الخدمات الصحية. وفي المقابل، أظهرت مسوحات ميدانية شملت نحو 67 ألف طفل، أن نسبة الأطفال المُلقّحين لا تتجاوز 16 إلى 20%، فيما ترتفع معدّلات التسرّب مع تقدّم الأطفال في السن، ولا سيما بعد الخامسة. وهي أرقام تعكس حجم الفجوة في التغطية اللقاحية في لبنان، وتكشف عن مناطق يكاد يغيب فيها التحصين ضد الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

هذه الأرقام خلصت إليها دراسة أجرتها الهيئة الصحية الإسلامية بين عامَي 2011 و2018، ونُشرت في مجلة Scientific Reports التابعة لمجموعة Nature في كانون الثاني 2026. ورغم مرور نحو ثماني سنوات على إنجازها، ترى مسؤولة دائرة الإرشاد والتثقيف الصحي في الهيئة، لمى الحموي، أن نتائجها لا تزال تعكس واقعاً مستمراً، لأن «الأسباب المؤدّية إلى التسرّب اللقاحي لم تتغيّر، فيما أظهرت دراسات أُجريت بعد عام 2019 في مناطق أخرى، بينها الشمال، معدّلات مرتفعة مماثلة».

واستهدفت الدراسة إحصاء أعداد المُتسرِّبين من برامج التلقيح الإلزامية لدى الفئة العمرية الممتدة من شهرين إلى 18 عاماً، عبر مسوحات ميدانية شملت نحو 67 ألف طفل في 120 بلدة ومنطقة في بيروت وضواحيها وكذلك في مناطق من البقاع والجنوب. وأظهرت النتائج، وفق مسؤولة دائرة الدراسات والإحصاء في الهيئة رنا الحيدري، أن «نسبة المُلقّحين لم تتجاوز 16 إلى 20%، وهي نسبة متدنّية للغاية، مع تسجيل معدّلات تسرّب أعلى لدى الأطفال الذين تجاوزوا الخامسة، مقابل ارتفاع معدّلات التلقيح لدى الأطفال دون السنتين». وتعزو الحموي هذا التفاوت إلى الاعتقاد السائد بأن التلقيح يقتصر على مرحلة الطفولة المبكرة، وتقلّ أهميته مع التقدّم في العمر، و«هو اعتقاد خاطئ، فهناك لقاحات إلزامية أساسية تمتد أهميتها حتى سن 18 عاماً، وبعضها جرعات تذكيرية تساعد على الحفاظ على الذاكرة المناعية، ولا تقلّ أهمية عن الجرعات الأولى». وتشدّد على أن الأطفال الذين فاتتهم جرعات اللقاحات في مواعيدها يستطيعون استدراكها وتعويضها حتى سن 18 عاماً.

أمّا أسباب التسرّب، فتتداخل فيها عوامل عدة رصدتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، وعاينتها الهيئة خلال زياراتها الميدانية، من ضعف الوعي بأهمية اللقاحات والخوف من آثارها الجانبية المُحتملة، إلى التشكيك في سلامة اللقاحات المجانية. وفي هذا السياق، تؤكد الحموي أن «اللقاحات المُتاحة عبر مراكز الرعاية الصحية الأولية تخضع لشروط حفظ وتبريد ومعايير رقابية تضمن سلامتها». وتسهم الشائعات والمعلومات المغلوطة بدورها في تعزيز التردد في التلقيح، ولا سيما الاعتقاد بوجود علاقة بين لقاح الحصبة والتوحّد. وقد ازدادت المخاوف، وفق الحموي، بعد جائحة كورونا، «مع انتشار الشكوك بشأن سلامة اللقاحات وآثارها الجانبية». ومن العوائق أيضاً، الظروف الأمنية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية. فقد انعكست المعارك ضد الجماعات الإرهابية في منطقة جرود عرسال على معدّلات التلقيح في بعلبك، فضلاً عن تضرّر بعض مراكز الرعاية الصحية وصعوبة الوصول إليها، ما حدّ من قدرة الأهالي على تأمين اللقاحات اللازمة لأطفالهم.

مشروع التحصين
لم تكن الدراسة مجرد محاولة لإحصاء أعداد المتسرّبين من التلقيح وتحديد حجم الظاهرة، بل شكّلت جزءاً من «مشروع التحصين الشامل» الذي نفّذته الهيئة بالشراكة مع دائرة الرعاية الصحية في وزارة الصحة العامة، وبتمويل من البلديات واتحاداتها. واستهدف المشروع تلقيح 60% من الأطفال المُتسرِّبين، عبر أربع مراحل، امتدّت أولاها بين عامي 2011 و2014، وشملت إجراء مسح ميداني من خلال الزيارات المنزلية، وتحديد الأطفال غير المُحصّنين وإحالتهم إلى مراكز الهيئة لتلقّي اللقاحات مجاناً.

في أواخر عام 2014، لاحظت الهيئة أن النتائج جاءت دون التوقعات، إذ لم تتجاوز نسبة المستجيبين للتلقيح 30% من المُتسرِّبين. وأظهر تقييم النتائج أن صعوبة الوصول إلى مراكز الرعاية الصحية شكّلت أحد أبرز العوائق أمام تلقّي اللقاحات. على ضوء ذلك، قررت الهيئة عام 2015 تعليق المسح الميداني مؤقّتاً، والتركيز على معالجة أسباب التسرّب، من خلال استحداث مراكز تلقيح نقّالة بالتعاون مع الصليب الأحمر، جابت المناطق والأحياء لتقديم اللقاحات للأهالي في أماكن إقامتهم.

وبعد نجاح هذه التجربة، استأنفت الهيئة عام 2016 عمليات المسح والتلقيح، مع اعتماد مسارين متكاملين: إحالة الأطفال الذين يسهل وصولهم إلى مراكز الرعاية الصحية، وتوجيه الفرق النقّالة إلى المناطق البعيدة عنها. واستمر العمل بهذه الآلية حتى عام 2018، حين أعلنت الهيئة نتائج المشروع ومعدّلات التلقيح المُحقّقة. وعلى ضوء النتائج، بدأت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» تشجّع الجمعيات على اعتماد هذا النموذج وتطبيقه في مناطق لبنانية أخرى.

وواصلت الهيئة تنفيذ مشروع التلقيح لمدة عام كامل بعد إنجاز الدراسة، بالتعاون مع «اليونيسف». وبعد عام 2019، تولّى الصليب الأحمر الدولي تنفيذ المشروع على امتداد الأراضي اللبنانية، بتمويل من البنك الدولي، فيما واصلت الهيئة دعم هذه الجهود من خلال إشراك فرقها الميدانية، إلى جانب تنفيذ حملات تلقيح متفرّقة لا تستند إلى مسوحات ميدانية مُسبقة. أمّا عمليات المسح، فتولّت وزارة الصحة العامة مسؤوليتها.

الهيئة تكسر الحصار
يشكّل «مشروع التحصين الشامل» علامة فارقة في تجربة الهيئة الصحية الإسلامية، ليس فقط كونه من التجارب الأولى من نوعها في لبنان من حيث حجم المسح الميداني وشموليته، بل أيضاً لقدرته على تحويل نتائج البحث إلى تدخّلات صحية عملية، انطلاقاً من احتياجات المناطق وسكانها.

وتجاوزت أهمية الدراسة نطاق العمل المحلي، مع مشاركة الهيئة في مؤتمر علمي في إسبانيا لاستعراض نتائجها حول التسرّب اللقاحي، ضمن مسار نشر الأبحاث في المجلات العلمية التابعة لدار النشر الدولية «Elsevier». ويكتسب هذا الحضور أهمية إضافية في ظل الحصار الأميركي الذي تتعرض له الهيئة، عى خلفية اتهامها بالارتباط بحزب الله. وهو السبب نفسه الذي يحرمها في بعض الأوقات من الحصول على الدعم المالي الذي تحصل عليه جمعيات صحية أخرى. لكنّ نائب المدير العام للهيئة مالك حمزة يؤكد «عدم القدرة على تهميش الهيئة كونها تمثّل نحو 30% من شبكة الرعاية الصحية في لبنان، وجزءاً أساسياً من التغطية الصحية في مناطق عدة»، ما يجعل استبعادها من التعاون الدولي، «تهديداً لوصول الخدمات إلى مجتمعات لا تتوفر فيها بدائل كافية».

وبعد الحرب، سارعت الهيئة إلى ترميم المراكز المتضرّرة، بالاعتماد على مبادرات فردية وتبرّعات وجهات داعمة، فيما تلجأ إلى مقارّ بديلة ومؤقّتة لضمان استمرار الخدمات، ريثما تتوافر الإمكانات اللازمة لإعادة بناء المراكز المُهدّمة. وتركّز الهيئة على الصحة النفسية كأولوية، ولا سيما لدى الأطفال والنساء، بعدما أظهرت دراستان أجرتهما ضرورة توسيع خدمات الدعم والعلاج النفسي ودمجها في مراكز الرعاية الصحية الأولية، نظراً إلى التداخل بين الاضطرابات النفسية وبعض الأمراض الجسدية. وتشمل الخطط أيضاً توسيع برامج الصحة النفسية في المدارس بالتعاون مع وزارة الصحة.

وفي هذا السياق، يعود مركز «دار الحوراء الطبي» التابع للهيئة إلى استقبال المرضى بحلّة جديدة، بعد ترميمه ومعالجة الأضرار الناجمة عن العدوان الإسرائيلي، مع توسيع نطاق خدماته لتشمل قسماً للصحة النفسية يضم أطباء ومعالجين نفسيين، إلى جانب خدمات التصوير المقطعي، وعلاج الألم والرعاية التلطيفية، فضلاً عن العلاج الحسي الحركي والوظيفي وعلاج النطق. هكذا، لا تقتصر مرحلة ما بعد الحرب على إعادة ما تضرّر، بل تتجه نحو تطوير الخدمات وتوسيعها، في محاولة لتحويل آثار الحرب إلى دافع لإعادة بناء منظومة رعاية أكثر شمولاً وقدرة على الاستجابة لاحتياجات الناس.