Beirut weather 28 ° C
تاريخ النشر October 22, 2026
A A A
هل تؤجّل مفاوضات «تامبا» العبثية الضربة العسكرية الواسعة التي تهدّد بها إسرائيل؟
الكاتب: آلاء أبو الذهب

كتبت آلاء أبو الذهب في “اللواء”:

تجلس الوفود العسكرية غير المباشرة في مقر القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) بمدينة تامبا بفلوريدا، للبحث في آليات التهدئة والترتيبات الأمنية لجنوب لبنان. لكن بعيداً عن الدبلوماسية المغلّفة والتصريحات المنمقة، يحق للبنانيين أن يسألوا بصراحة ودون مواربة: هل نملك حقاً ترف التفاوض للوصول إلى استقرار دائم، أم أن طاولات فلوريدا ليست سوى مظلة أمريكية لتأجيل أو شاخص مرور تمهيدي لضربة عسكرية إسرائيلية موسعة تُهدد بها تل أبيب للتعامل مع «حزب الله»؟

إن القراءة المنصفة لمسار الأحداث تؤكد أننا أمام مسرحية تقطيع وقت خطيرة. ففي الوقت الذي يُراد فيه إيهام الرأي العام بأن جولة تامبا تهدف لتطبيق «اتفاق الإطار» والقرار 1701، تُواصل الطائرات والمدفعية الإسرائيلية دكّ قرانا الحدودية في كفرتبنيت وبرعشيت والمنصوري. إسرائيل لا تفاوض لإنهاء الاحتلال أو احترام السيادة، بل تسعى عبر الضغط الأمريكي إلى فرض آليات مراقبة تقنية واستخبارية مجحفة، وفرض «لجان أمنية مشتركة» تُجرّد المؤسسة العسكرية اللبنانية من كرامتها الوطنية وتجعلها شرطياً لحماية أمن الحدود الإسرائيلية.

أمام هذا الابتزاز الإسرائيلي، نرى موقفاً رسمياً لبنانياً يحاول الثبات؛ حيث يُحسب لرئيس الحكومة والوفد العسكري اللبناني برئاسة العميد الركن جورج رزق الله تمسكهما بسقف تفاوضي حازم: لا تنسيق أمني مباشر مع العدو، لا تنازل عن حتمية الانسحاب الشامل حتى آخر شبر، ولا مساومة على إطلاق الأسرى وتأمين عودة الأهالي إلى أراضيهم. لكن هذا الثبات الرسمي يواجه طعنة نجلائها من الداخل!

ففي لحظة فارقة تتطلب إجماعاً وطنياً خلف الجيش والدولة، نرى مسؤولي ونواب «حزب الله» يمارسون سياسة التهويل والتخوين، مهدّدين بـ«نقل المواجهة إلى الداخل اللبناني» إذا لم تأتِ نتائج التفاوض على مقاس محورهم. إنه لمن المؤسف والمخزي أن يُخيّر اللبنانيون بين الانصياع لرغبات المحور الإقليمي، أو تفجير الاستقرار الداخلي؛ وكأن السلاح الذي قيل يوماً إنه لحماية لبنان أصبحت مهمته إرهاب الدولة وابتزاز قرارها التفاوضي.

إن الحقيقة التي يجب مواجهتها اليوم دون تجميل هي أن لبنان يقع بين فكّي كماشة: عدوان إسرائيلي متربص يتهيّأ لتوجيه ضربة قاسية تستهدف بنيتنا ومرافقنا، وارتهان داخلي يرفض إعطاء الدولة وحصريّة سلاح الجيش فرصة الإنقاذ. وفي ظل التراجع المرتقب لدور قوات «اليونيفيل»، لن يرحمنا التاريخ إن تركنا المؤسسة العسكرية وحدها تحارب على جبهتين: جبهة التفاوض والردع في تامبا، وجبهة حفظ السلم الأهلي في بيروت والداخل.

إن مفاوضات تامبا يجب ألا تكون مخدرة للوعي اللبناني. إذا كانت واشنطن تريد حقاً تجنيب المنطقة انفجاراً شاملاً، فعليها إلزام إسرائيل بالانسحاب ووقف العدوان فوراً، ودعم الجيش اللبناني بلا شروط. أما إذا كان الهدف إشغالنا بفتات الترتيبات العسكرية بينما تُستكمل العدة لضربة عسكرية مقبلة، فإن الاعتماد على النوايا الأميركية سيكون ضرباً من العبث.

لقد حان الوقت لتأكيد حقيقة واحدة: سيادة لبنان ليس مادة للمساومة في فلوريدا، ولن تكون فدية تُدفع لتهديدات الداخل. إما دولة كاملة السيادة بسلاح واحد وقرار واحد يُسقط ذرائع العدوان، وإما سحق ما تبقّى من هذا الوطن في مسارح الحروب بالإنابة.