Beirut weather 24 ° C
تاريخ النشر October 15, 2026
A A A
ترامب يهرب من اليمن فهل يعود للحرب على إيران؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

عندما يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه قد يطلب من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التدخل لمساندة السعودية ضد أنصار الله، ويقول إنه عشية اتخاذ قرار كبير حول إيران يلوح بأنه الحرب، يمكن أن نستنتج أنه يريد عدم التورط بالحرب في اليمن لأنه يستعد للحرب على إيران، فهل يستقيم ذلك؟ السؤال البديهي الآخر يبدأ من سبب البحث عن أردوغان: لماذا يحتاج رئيس الدولة التي تقود المواجهة مع إيران إلى طرف آخر يخوض معركة اليمن، بينما تتعرض مطارات حليفته السعودية ومنشآتها الحيوية للاستهداف؟ وأي معنى يبقى للحديث عن استعداد أميركي لحرب جديدة على إيران، إذا كانت واشنطن تتجنب تحمل كلفة مواجهة الجبهة اليمنية التي تتهمها واشنطن بأنها مجرد أداة إيرانية جرى إعدادها كي تدخل على خط الحرب عندما تُهدَّد إيران؟

 

الواقعة أن ترامب قال، في الثالث عشر من تشرين الأول، إنّه قد يستعين بأردوغان، وأبدى ثقته بأنه سيفعل ما يطلبه، بينما تجنب إعلان قرار أميركي بضرب أنصار الله. وجاء كلامه بعد ضربات مطار الرياض، وفي ظل استمرار المواجهة داخل اليمن. هكذا انتقل الجواب الأميركي عن حاجة السعودية إلى المساندة من الالتزام بالمشاركة إلى البحث عن طرف يمكن استدعاؤه للمهمة. والقراءة السياسية لهذا الانتقال أنه يكشف استمرار التهرب من تحمل الحرب مباشرة، مع محاولة الاحتفاظ بصورة صاحب القرار الذي يوزّع أدوارها.

 

وفي صيغة «سيفعل ما أطلبه» يكشف ترامب نظرته إلى تركيا بوصفها أداة لتنفيذ رغباته، لا شريكاً يناقش معه المصالح والكلفة. لكن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان كان قد أعلن، في الثامن من تشرين الأول، أن الاتفاق الدفاعي مع السعودية وباكستان لا يشمل إرسال قوات لتنفيذ هجمات داخل اليمن، وحدد المساهمات المحتملة بالدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والدعم التقني. لذلك تبدو عبارة ترامب محاولة لوضع أردوغان أمام دور يختاره له علناً، بعدما رسمت أنقرة حدوداً مختلفة لمشاركتها.

 

وهذه طريقة سبق أن استخدمها ترامب في لبنان. ففي حزيران قال إنه اقترح أن تتولى سورية مواجهة حزب الله، وأكد مناقشة الموضوع مع أحمد الشرع، بعد انتقاده طول الحرب الإسرائيلية وكثرة ضحاياها المدنيين. ونقلت رويترز أن واشنطن شجعت دمشق على بحث إرسال قوات إلى شرق لبنان، فيما أبدت سورية تردداً ونفى الشرع شائعات دخولها. يتكرر المشهد، عندما يعجز الحليف عن إنجاز المهمة، يبحث ترامب عن قوة إقليمية أخرى، ويعرضها كأنها تنتظر تكليفه.

 

البحث عن هذه القوة يحمل، في الحالة اليمنية، دلالة إضافية. فلو كانت القوات المدعومة من السعودية قادرة على وقف تقدم أنصار الله وتحقيق الحسم، لما أصبحت الاستعانة بطرف خارجي موضوعاً على لسان الرئيس الأميركي. إنها، في قراءة الموقف، شهادة على قصور الأدوات التي راهنت عليها الرياض وواشنطن. وقد ربطت «واشنطن بوست» ضربات المطارات بتهديد صورة السعودية مركزاً آمناً للاستثمار، وبالمعضلة بين مواصلة المواجهة والسعي إلى التسوية، في ظل التردد الأميركي في تقديم مساعدة عسكرية مباشرة.

 

ومنذ مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، يمكن قراءة الرهان على اليمن باعتباره محاولة لتعديل الموازين التي ستعود إلى طاولة التفاوض مع طهران. فتحييد أنصار الله وتأمين باب المندب وحماية العمق السعودي كان سيمنح واشنطن ورقة ضغط إضافية. لكن استمرار قدرة صنعاء على الضغط يحوّل هذه المحاولة إلى عبء على أصحابها. ومن يريد استثمار اليمن لتغيير شروط التفاوض، أو لاستكمال الحرب على إيران، يحتاج إلى نتيجة ميدانية؛ أما البحث عن مقاتلين جدد فيكشف أن النتيجة الموعودة ما زالت بعيدة.

 

وهنا تقع الحلقة الأهم. فإذا كان أحد تفسيرات التهرب الأميركي، هو أن اليمن أقل ارتباطاً بمصالح اقتصادية ومنشآت يحتاج إلى حمايتها، بما يمنح أنصار الله حرية أوسع في استهداف الأعماق الخليجية والقطع البحرية الأميركية، فإن هذه الميزة لا تختفي عندما تتجه الضربات إلى إيران. بل إن الحرب عليها تمنح صنعاء دافعاً سياسياً للانخراط، وتفتح أمامها استخدام عناصر القوة نفسها التي دفعت واشنطن إلى تجنب مواجهتها. فتغيير عنوان الحرب لا يغيّر الجغرافيا، ولا يزيل الصواريخ، ولا يحمي المصالح المعرضة للاستهداف.

 

لذلك لا يستطيع ترامب تجاوز المأزق اليمني بالقفز إلى إيران. فالجبهة التي يريد أن يتولاها أردوغان ستلاحقه في الحرب الأوسع، وقد يصبح تشغيل المطارات وتصدير الطاقة وحماية السفن أكثر صعوبة. وبعد دخول الحرب التي بدأت أواخر شباط شهرها الثامن، في أكثر من مناسبة أعلن ترامب عدم مهاجمة إيران قبل الانتخابات الأميركية. وفي ضوء ذلك، يبدو طلب الآخرين لمواجهة اليمن قرينة على حدود الاستعداد لتحمل كلفة التصعيد، ما يرسم علامة استفهام كبرى حول جدية التهديد بحرب على إيران؛ لأن السؤال الذي تفرضه الوقائع: إذا كانت واشنطن تتجنّب معركة اليمن بسبب عناصر قوته، فكيف ستخوض حرباً على إيران تستجلب اليمن إليها وتمنحه سبباً لاستخدام قوته كلها؟