Beirut weather 27 ° C
تاريخ النشر September 21, 2026
A A A
جيش العدو يقرّ: نزع سلاح حزب الله «هدف أعلى» طويل المدى
الكاتب: علي حيدر

كتب علي حيدر في الأخبار 

تكتسب المواقف الأخيرة لرئيس أركان جيش العدو إيال زامير أهمية تتجاوز بعدها العملياتي المباشر، إذ تضمّنت عرضاً مُكثّفاً لرؤية القيادة العسكرية الإسرائيلية للمرحلة المقبلة في لبنان: الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه، والأدوات والمسارات لبلوغه، وبعض التحدّيات والقيود والمخاطر التي تعترض الطريق إليه.

 

ولم يكتف زامير بالحديث عن العمليات العسكرية، بل حدّد بوضوح «الهدف الأعلى والمستمر»، المتمثّل في نزع سلاح حزب الله، واضعاً إلى جانبه هدفاً أكثر مباشرة يتعلق بإخلاء المنطقة الواقعة جنوب الليطاني من الوجود العسكري للحزب. وأقرّ، في المقابل، بأن «المعركة لم تنته بعد»، وحذّر من إعادة بناء حزب الله قوته واستعادة قدراته، رابطاً إمكان تحقيق الهدف عبر اتفاق مع الحكومة اللبنانية بتحسّن كبير في فاعلية الجيش اللبناني على الأرض. وهنا تبرز المعضلة الأساسية أمام القيادة الإسرائيلية: كيف يمكن تحويل الإنجاز العملياتي إلى واقع سياسي وأمني دائم، يمنع حزب الله من إعادة إنتاج قوته ويفضي إلى تحقيق «الهدف الأعلى»؟

 

يمكن فهم وصف زامير نزع السلاح بأنه «هدف أعلى ومستمر». فلو كانت نتائج العمليات العسكرية كافية بذاتها لتحقيقه، لما بقي هدفاً مستمراً يحتاج إلى مسارات وأدوات إضافية. وهنا تكتسب تصريحات زامير عن الدولة والجيش اللبنانيَّيْن أهميتها. فهو يقول إنه «لا يمكن الدفع بهذا الهدف في إطار اتفاق مرغوب فيه مع الحكومة اللبنانية، ما دام الجيش اللبناني لا يحسّن بصورة كبيرة فاعليته على الأرض».

وبذلك يتضح أن التصوّر الإسرائيلي لتحقيق الهدف لا يقوم على قوة جيشه وحدها، بل يحتاج إلى آلية سياسية وأمنية تحول دون إعادة تكوينها بعد انتهاء العمليات. ومن هنا يظهر الدور الذي تراهن عليه إسرائيل للسلطة اللبنانية. فالمطلوب، إسرائيلياً، ليس مجرّد انتشار للجيش، وإنما وجود سلطة لبنانية قادرة على القيام بما لم يستطع الجيش الإسرائيلي تحقيقه في الحرب.

لكن زامير نفسه يضع قيداً أساسياً على هذا المسار، عندما يشترط تحسّن فاعلية الجيش اللبناني «بصورة كبيرة». ويكشف ذلك عن عدم رضى قيادة العدو عن أداء الجيش الوطني، ويؤشّر إلى وجود نوايا تستهدفه بنيةً وعقيدةً ودوراً.

 

ونجاح أي استراتيجية تستهدف نزع سلاح الحزب لا يتوقف على إضعاف قوته العسكرية وحدها، بل يتأثّر أيضاً بقدرته على الاحتفاظ بقاعدة اجتماعية وسياسية توفّر له الشرعية والدعم والقدرة على الاستمرار والتكيّف مع التحوّلات. ومن هنا تصبح هذه البيئة تحدّياً استراتيجياً بالنسبة إلى إسرائيل إذا لم ينجح الضغط العسكري في إحداث فصل بين الحزب وقاعدته الاجتماعية.

 

كما يوجد التحدّي المتعلق بإيران. فإذا كانت قدرة حزب الله على إعادة بناء قوته تعتمد أيضاً على دعم خارجي، فإن منع إعادة البناء لا يعود مسألة لبنانية داخلية فحسب، بل يصبح جزءاً من الصراع الإقليمي الأوسع. والدعم الإيراني لا يقتصر على نقل الأسلحة، بل يمتد إلى التمويل والخبرة والتكنولوجيا والتدريب والعلاقة الاستراتيجية بين الطرفين. وبالتالي يصبح «الهدف الأعلى» أكثر تعقيداً، ولا سيما بعدما اتضح بالملموس إمكان استهداف حزب الله بصورة مباشرة ومعزولة نسبياً عن جبهة إقليمية أوسع. فوجود العامل الإيراني يزيد قدرة الحزب على إعادة البناء، ويجعل القضاء الدائم على هذه القدرة أكثر صعوبة من مجرّد تدمير ما هو قائم في لحظة معينة.

 

لكن يبدو أن هناك ما يؤرث زامير عندما يقول إن «ساحة المعركة تتغيّر بسرعة. وهذا التحدّي يفرض علينا أن نكون في حركة دائمة، وأن نتعلّم بسرعة وأن نتحسّن باستمرار». وهذه عبارة تتجاوز بعدها التقني. فإذا كان الجيش الإسرائيلي مضطراً إلى التعلّم المستمر وتطوير الروبوتات والوسائل المأهولة وغير المأهولة، فهذا يعني أن التفوّق العملياتي ليس حالة ثابتة يمكن الركون إليها، وإنما نتيجة يجب إعادة إنتاجها باستمرار في مواجهة خصم وبيئة يتغيّران بدورهما.

 

المشكلة ليست في تدمير قوة حزب الله، بل في منع إعادة إنتاجها بصيغة جديدة بعد الحرب

 

 

والتكيّف بالنسبة إلى حزب الله لا يعني بالضرورة إعادة بناء القوة السابقة بالصورة نفسها. فقد تكون الاستجابة بإعادة تنظيم القوة بطريقة مختلفة: وحدات أصغر، انتشار أكثر تشتتاً، اعتماد أكبر على وسائل أقل كلفة، تغيير طرق الاتصال والقيادة، استخدام أوسع للمُسيّرات، أو تعديل العلاقة بين المركزية واللامركزية في العمليات.

ومن هنا يصبح الصراع مرهوناً بقدرة حزب الله على التعلّم وإعادة التنظيم وتغيير أساليبه بوتيرة تقلّل من فاعلية بعض أدوات التفوّق الإسرائيلي. وهو ما برزت مؤشراته جلية في الحرب الأخيرة. ولهذا فإن التكيّف لا يلغي أثر الخسائر التي تعرّض لها الحزب، لكنه يجعل استدامة هذه الخسائر تحدّياً قائماً أمام إسرائيل.

 

إن قول زامير إن «المعركة لم تنته بعد، والتحدّيات لا تزال أمامنا» ليس مجرّد عبارة تعبئة عسكرية. فاستمرار المواجهة يعني أن البيئة التي تريد إسرائيل إنتاجها لم تستقر بعد. ويعني أيضاً أن ما تحقّق عسكرياً لا يزال قابلاً للتغيير، سواء من خلال إعادة بناء قدرات حزب الله، أو تغيّر الظروف السياسية اللبنانية، أو تطورات المواجهة مع إيران، أو تغيّر ميزان الردع الإقليمي.

عند جمع هذه العناصر، يتبيّن أن الطريق بين إضعاف حزب الله وتحقيق الهدف «الأعلى والمستمر» لا يمر عبر تحدٍّ واحد، وإنما عبر منظومة من التحدّيات يعزّز بعضها بعضاً. أولها هو حدود الإنجاز العسكري نفسه. فقد تقدّم المقاومة وأهلها الكثير من التضحيات لكن ذلك لا يعني تحقيق الهدف الأعلى للعدو.

 

والثاني هو خطر إعادة بناء القوة وتطويرها بما يتلاءم مع المتغيّرات؛ لأن استمرار مصادر التمويل والخبرة والدعم والقدرة التنظيمية يمكن أن يسمح بذلك. بينما الثالث هو البيئة الاجتماعية والسياسية. فإذا بقيت مُلتفّة حول المقاومة يصبح الرهان على الخيار الداخلي أكثر تعقيداً.

 

والرابع هو العامل الإيراني، الذي يجعل عملية إعادة البناء مرتبطة بعوامل خارج سيطرة السلطة اللبنانية وإسرائيل والولايات المتحدة.

والخامس هو التكيّف. فالخسائر لا تؤدّي بالضرورة إلى إعادة بناء النموذج القديم نفسه؛ وقد تدفع إلى إنتاج نموذج عسكري مختلف وأكثر ملاءمة للواقع الجديد.

 

والسادس هو محدودية قدرة السلطة السياسية في لبنان على فرض النتيجة المطلوبة، ليس فقط لأسباب عسكرية، وإنما أيضاً بسبب القيود السياسية والاجتماعية الداخلية التي تحيط بأي محاولة لنزع السلاح بالقوة.

أضف إلى ذلك مخاطر استمرار المواجهة على الجيش الإسرائيلي نفسه، سواء من حيث القوات البشرية أو الحاجة إلى انتشار طويل الأمد أو الحفاظ على جاهزية مرتفعة.

 

أمّا التحدّي الأخير الذي يوسّع دائرة عدم اليقين لدى أعداء المقاومة، فهو الزمن. فمنع المقاومة من إعادة بناء قدراتها وتطويرها بصورة دائمة ليس عملية عسكرية ذات بداية ونهاية واضحتين، بل مهمة طويلة الأمد تتطلب استمرار التفوّق الاستخباري والعملياتي والسياسي. وهذا يفسّر ربما لماذا وصف زامير الهدف نفسه بأنه «مستمر».

 

وهنا يمكن الوصول إلى جوهر المشكلة الاستراتيجية. إذا كانت البيئة الاجتماعية توفّر للحزب قدراً من الحماية السياسية والاجتماعية، وإيران توفّر مصدراً خارجياً للدعم والخبرة، والتنظيم يمتلك قابلية للتكيّف، فإن المشكلة التي تواجه إسرائيل لا تعود مجرّد وجود ترسانة عسكرية ينبغي تدميرها. المشكلة تصبح وجود منظومة قادرة على إعادة إنتاج القوة بنسبة أو بأخرى.