Beirut weather 27 ° C
تاريخ النشر September 21, 2026
A A A
لماذا التضخُّم في لبنان أعلى من المعدّلات العالمية؟

 

كتب د. فؤاد زمكحل 

في الوقت الذي يشهد فيه الاقتصاد العالمي تباطؤاً تدريجياً في معدّلات التضخُّم، لا يزال لبنان يسجّل مستويات مرتفعة نسبياً. إذ وفق أحدث بيانات إدارة الإحصاء المركزي، بلغ معدّل التضخم السنوي في لبنان 15,69% في تموز 2026، في حين يتوقع صندوق النقد الدولي أن يدور التضخُّم العالمي حول 4,7% خلال العام عينه. وهذا الفارق الكبير يطرح سؤالاً أساسياً: لماذا لا ينخفض التضخُّم في لبنان بالسرعة نفسها التي نشهدها عالمياً؟ وهل تعكس الأسعار المحلية فعلاً إرتفاع الكلفة، أم أنّ ضعف المنافسة واتساع هوامش الأرباح يلعبان دوراً أيضاً؟

 

يعتمد لبنان بشكل كبير على الاستيراد، وتالياً تنتقل إليه بسرعة أي زيادة عالمية في أسعار النفط والغذاء والنقل والشحن. لكنّ التضخُّم اللبناني لا يمكن تفسيره بالعوامل الخارجية وحدها، إذ يعاني الاقتصاد أيضاً من تضخُّم محلي وهيكلي، يجعل تراجع الأسعار أكثر بطئاً.

 

 

 

المفارقة أنّ انتقال الأسعار لا يحصل بالوتيرة نفسها في الاتجاهَين، فعندما ترتفع أسعار السلع أو الشحن أو الطاقة عالمياً، تنعكس الزيادة سريعاً على الأسعار المحلية. أمّا عندما تنخفض هذه الأكلاف، فلا يشعر المستهلك اللبناني بالتراجع بالسرعة أو بالنسبة عينها.

 

 

 

«عدم تماثل انتقال الأسعار»

 

اقتصادياً، يُمكن وصف هذه الظاهرة بـ»عدم تماثل انتقال الأسعار»: الأسعار ترتفع بسرعة عندما ترتفع الكلفة، لكنّها تتراجع ببطء عندما تنخفض. والسبب أنّ كلفة السلعة المستوردة في لبنان لا تقتصر على سعر شرائها في بلد المنشأ، فهناك كلفة الشحن والتأمين والطاقة والتخزين والرسوم والتمويل، بالإضافة إلى المخاطر التشغيلية واللوجستية.

 

 

 

وقد أشار البنك الدولي إلى تأثير اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الشحن والنفط على التضخُّم في لبنان، متوقعاً متوسطاً يقارب 17,5% في العام 2026 بعد التطوُّرات الإقليمية الأخيرة.

 

وفي موازاة ذلك، يستمر التضخُّم المحلي في عدد من القطاعات، ولا سيما الخدمات والإيجارات والتعليم والأجور وبعض الأكلاف التشغيلية، لذلك، حتى في ظل استقرار نسبي لسعر الصرف ودولرة جزء كبير من الأسعار، يُمكن أن تستمر الضغوط التضخُّمية الداخلية.

 

 

 

أين تدخل المنافسة في المعادلة؟

 

 

 

لا يُمكن اعتبار الاحتكار أو ضعف المنافسة السبب الوحيد وراء فارق التضخُّم بين لبنان والعالم، لكنهما قد يساهمان في تفسير بطء انخفاض بعض الأسعار عندما تتراجع الأكلاف.

 

فالأسواق اللبنانية صغيرة نسبياً، وبعضها يتميَّز بدرجة مرتفعة من التركّز وعدد محدود من المستوردين أو الموزّعين. وقد سبق أن أشارت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) إلى ارتفاع مستوى التركّز في عدد من الأسواق اللبنانية.

 

 

 

في سوق تنافسية تضمّ عدداً كبيراً من المستوردين والموزّعين، يؤدّي انخفاض الكلفة عادة إلى ضغط سريع على الأسعار، إذ يسعى كل منافس إلى خفض سعره للحفاظ على حصّته السوقية أو توسيعها.

 

أمّا عندما يكون عدد اللاعبين محدوداً، وتكون حواجز الدخول إلى السوق مرتفعة، فإنّ هذا الضغط التنافسي يصبح أضعف، وتالياً، إذا انخفضت الكلفة العالمية للسلعة بنسبة 10%، فهذا لا يعني بالضرورة أنّ سعرها للمستهلك اللبناني سينخفض بالنسبة عينها. وقد يتحوَّل جزء من هذا الفارق إلى توسُّع في هامش الربح بدلاً من انتقاله بالكامل إلى المستهلك.

 

 

 

التمييز بين ضعف المنافسة والتواطؤ

 

لكن من المهمّ التمييز بين ضعف المنافسة والتواطؤ، فارتفاع التركّز أو هوامش الأرباح، لا يشكّل في حدّ ذاته دليلاً على وجود اتفاق غير قانوني. أمّا التنسيق بين المنافسين على الأسعار أو الكمّيات أو تقاسم الأسواق، فيدخل في نطاق الممارسات التي يعالجها قانون المنافسة اللبناني.

 

 

 

من هنا تبرز إحدى أهم الإشكاليات في النقاش الاقتصادي اللبناني: لا يكفي أن نراقب مؤشّر أسعار المستهلك لمعرفة أسباب الغلاء، بل يجب أن نراقب أيضاً تطوُّر الكلفة وهوامش الربح ومدى انتقال انخفاض الأسعار العالمية إلى السوق المحلية.

 

 

 

ويُمكن القيام بذلك عملياً من خلال اختيار سلة من السلع الأساسية المستوردة ومتابعتها على مدى 12 أو 24 شهراً، ومقارنة سعر السلعة عالمياً، وكلفة الشحن والتأمين، وسعر الصرف، والرسوم، والكلفة التشغيلية المحلية، مع السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.

 

فإذا ارتفعت الكلفة الإجمالية بنسبة 20% وارتفع سعر التجزئة بالنسبة عينها تقريباً، يُمكن تفسير الجزء الأكبر من الزيادة بعوامل الكلفة. أمّا إذا تراجعت الكلفة لاحقاً بنسبة 15%، بينما بقي سعر التجزئة شبه ثابت، هنا يُصبح السؤال مشروعاً: أين ذهب انخفاض الكلفة؟ وهذا المؤشّر قد يكون أكثر فائدة من الاكتفاء بالسؤال عمّا إذا كانت الأسعار مرتفعة أم لا.

 

 

 

من اللافت أنّ التضخُّم السنوي في لبنان بقي عند 15,69% في تموز 2026، على رغم من أنّ مؤشّر الأسعار الإجمالي سجّل انخفاضاً طفيفاً بلغ 0,03% على أساس شهري. وهنا يجب التمييز بين انخفاض التضخُّم وانخفاض الأسعار. فتراجع معدّل التضخُّم لا يعني بالضرورة أنّ الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة، بل يعني في معظم الأحيان أنّها أصبحت ترتفع بوتيرة أبطأ.

 

 

 

وبعد سنوات من الارتفاعات الكبيرة والمتراكمة، يبقى مستوى الأسعار في لبنان مرتفعاً جداً، حتى عندما يبدأ معدّل التضخُّم بالتراجع، ويُمكن تالياً تفسير التضخُّم المرتفع في لبنان من خلال مجموعة عوامل متداخلة: التضخُّم المستورد، وارتفاع الأكلاف التشغيلية المحلية، والصدمات الجيوسياسية واللوجستية، واستمرار التضخُّم في الخدمات، بالإضافة إلى ضعف المنافسة في بعض الأسواق.

 

 

 

لكنّ اختبار المنافسة الحقيقي يظهر خصوصاً عندما تبدأ الأكلاف العالمية بالإنخفاض. فإذا ارتفعت الأسعار المحلية بسرعة مع ارتفاع الكلفة، فمن الطبيعي أن نتوقع أن ينتقل جزء ملموس من انخفاض الكلفة إلى المستهلك عندما تنعكس الظروف.

 

 

 

في المحصّلة، إنّ معالجة الغلاء لا تقتصر على السياسة النقدية أو استقرار سعر الصرف. لذا فإنّ المطلوب تطبيق فعّال لقانون المنافسة، وتعزيز الشفافية في حلقات الاستيراد والتوزيع، ومراقبة تطوُّر الهوامش، وتسهيل دخول منافسين جدد إلى الأسواق. وهنا يبقى السؤال الاقتصادي الذي يجب أن نطرحه في لبنان ليس فقط: لماذا ترتفع الأسعار عندما ترتفع الكلفة؟ بل السؤال الأكثر أهمّية: لماذا لا تنخفض بالسرعة عينها عندما تنخفض الكلفة؟